|
|
|
الشاعرة الكويتية سعدية المفرح
|
"بين النخل والبيوت".. كلمات تروح وتجيء، تلاحق الأطفال تحاورهم، تنقر على شبابيك أرواحهم.. قد يفتحون لها أسماعهم، وقد يوصدون في وجهها الأبواب، إن تعقدت وتقعرت وتعالت على ذكائهم ونقائهم... وهذا ما لا تريده لها ولهم سعدية مفّرح.. الشاعرة والصحفية الكويتية، التي نشرت لأجل الصغار مجموعتها "بين النخل والبيوت"، وفتحت للكبار، من دواوين الشعر "كتاب الآثام"، وما أسمته "تغيب فأسرج خيل ظنوني"، أو مجرد امرأة مستلقية".
من موقعها كمسؤولة عن القسم الثقافي في جريدة القبس الكويتية، عُرفت سعدية مفّرح كوجه من الوجوه النسائية الفاعلة في منطقة الخليج العربي.
قالوا عنها.. وهي التي تحلم بالسفر، وعز الحلم دونما سبب وجيه، إلا وجاهة الذين ابتكروه.. قالوا إنها تحاول دائما اختراع جغرافيات لا يحتاج السفر إليها إلى جواز سفر...
لكنها قد تضطر، فعلا، للسفر إلى نيويورك في ديسمبر/ كانون الأول 2006، بعد أن اختارت منظمة "نساء المستقبل" تكريمها لشجاعة خطابها، وجدية مسارها الصحفي والأدبي.. ولأن النص الشعري الذي تكتبه يستكشف النفس البشرية، ويطرح أسئلة الوجود، التي تشغل كل إنسان على مختلف انتماءاته وجنسيته وظروف حياته ومجتمعه.
لم تكن سعدية مفّرح الشخصية النسائية العربية الوحيدة المعنية بتكريم الجمعية المذكورة.. لكننا أحببنا أن نبدأ معها استفساراتنا حول هذا التكريم، الذي طال أيضا أربع أديبات عربيات أخريات من مشرق العالم العربي ومغربه.
حملنا أسئلتنا الكثيرة وتوجهنا بها إلى المكّرمة الكويتية، لتجيب عنها في هذا الحوار الهاتفي مع CNN بالعربية..
وسألنا أولا : كيف ومتى تلقيت نبا تكريمك؟
قالت: "تلقيت نبأ تكريمي عبر رسالة وصلتني بالانترنت من الدكتورة سوزان كيث، رئيسة جمعية "نساء المستقبل"، ومقر هذه الجمعية في نيويورك. وقد تلقيت هذه الرسالة بدهشة كبيرة، خصوصا عندما نظرت إلى الأسماء المرافقة، بالذات أسماء النساء الثلاث، الأستاذة غادة السمان، والأستاذة رضوى عاشور، والأستاذة فاطمة المرنيسي، باعتبار هؤلاء السيدات هن من رائدات الأدب العربي.. ومن رائدات الحركة الثقافية العربية بشكل عام.. وأنا والزميلة جمانه حداد ننتمي إلى جيل تربّى على كتابات السمان وعاشور والمرنيسي.. فأن أكون ضمن هذه الكوكبة المميزة من المثقفات العربيات، هو الأمر الذي سبب لي الدهشة، ومنحني الثقة، وأشعرني بالسعادة."
ما الذي ترين أنه مشترك بينك وبين الأسماء الأربعة الأخرى؟
أجابت قائلة :أتمنى أن أكون، كما هي الأسماء الأربعة الأخرى، بهذا الدأب والاجتهاد، وبهذه الرغبة في الكتابة وفي الشغف.. فأنا أحس بالشغف الشديد بالكتابة، منذ طفولتي وحتى الآن.. وأتمنى ألا أفقده، وأن أكون كما هن، وكما ينبغي لامرأة عربية تحاول أن تقدم صورة ناجحة، في عالم جديد، يشكك كثيرا في ما يمكن أن تقدمه المرأة العربية.. ليس فقط على صعيد الثقافة، ولكن على صعيد أي نشاط يمكن أن يفيد الإنسانية بشكل عام.
كيف ستكون مراسم هذا التكريم؟
ردت بقولها : ليست لدي تفاصيل، كل ما أعرفه أنه سيكون هنالك حفل، وسيقام في مقر المنظمة الرئيسي في نيويورك، في ديسمبر/كانون الأول 2006.. وقبل ذلك ستتم ترجمة مختارات من أعمال كل كاتبة، وإصدارها في كتب مستقلة، لكل واحدة، ويترجم كل كتاب إلى 15 لغة عالمية.. وتوزع هذه الكتب في بلدان الكاتبات الأصلية، كما في البلدان التي نقلت نصوصهن إلى لغاتها.. فيما عدا هذا، ليست لدي تفاصيل أخرى.
سمعنا أن بعض الحائزات على هذا التكريم لديهن تحفظات حول مسألة التكريم هذه..فما هي وجهة نظرك؟
أجابت : فعلا قرأت على عدة مواقع على الإنترنت رفض الدكتورة رضوى عاشور للتكريم، بحجة أنها لا تعرف خلفيات "جمعية نساء المستقبل"، ولم تفصح عن أسباب أخرى.. ثم تبعتها جمانه حداد، التي لم ترفض، وإنما اكتفت بإبداء تحفظها، نظرا لكون المرحلة مليئة بالتوجس والتشكيك..
وأضافت: أنا بمنتهى الصراحة، ومع شديد احترامي للزميلتين العزيزتين، أعتقد أن هذا أمر يخصهما.. فهذه الجمعية غير حكومية، بمعنى أنها غير مسيّسة.. وخصوصا أن هذا التكريم يأتي غير مشروط على الإطلاق، وهو ليس جائزة بقدر ما هو تكريم من هذه الجمعية، لخمس نساء عربيات.. أعتقد على العكس، يجب علينا قبول هذا التكريم، لأنه يجب علينا دائما مواجهة الآخر ومحاورته، خصوصا في ميدان الثقافة.
قيل إن لديك بعض الصعوبات التي تحول دون حضورك حفل التكريم (في إشارة إلى عدم حيازتها على جواز سفر، كونها ممن يطلق عليهم إسم "بدون".)
ردت بقولها : الحفل سيكون في ديسمبر/كانون الأول 2006، الصعوبة هي متواجدة الآن طبعا، ولا ندري.. لندع الأيام تفعل ما تشاء، إلى سنة قادمة.. ربما ستذلل هذه العقبة إن شاء الله .
بهذه المناسبة، نحب أن نتذكر معك أول نص نشرته.
استرجعت ذكرياتها لتقول : لقد بدأت النشر في سن مبكرة.. قد لا أذكر النصوص البسيطة التي نشرت لي في بداياتي، ولكني أذكر أول نص كتبته ونشرته في مجلة متخصصة بالأدب، وهي مجلة "البيان" الصادرة عن رابطة الأدباء في الكويت آنذاك، وما زالت تصدر.. وكان النص بعنوان "التاء المربوطة"، وكما هو واضح من عنوان القصيدة، كنت أتكلم عن قضية المرأة من خلال اختيار رمز حرف التاء المربوطة، الذي عادة ما تذيل به أسماء النساء في اللغة العربية.. واتخذت منه رمزا للقيود التي توضع أحيانا على مسيرة المرأة وتمنعها من التقدم.. أذكر أنها نشرت ربما في النصف الأول من ثمانينات القرن العشرين.
يؤرقك الهم الإنساني.. فما هو السؤال الإنساني أو الهم الإنساني الذي يؤرقك اليوم بالدرجة الأولى؟
قالت : يخيّل إلي أن كل الأسئلة الإنسانية، يمكن أن تؤرق شاعرة مثلي، أو أي شاعر في العالم.. أنا همي الإنسان في كل زمان وفي كل مكان، وفي كل ثقافة، وفي كل ديانة.. وبالتالي يمكن أن يكون عنوان "العدالة" عنوانا صالحا، لكي يكون معبّرا عن هذا الهم الذي أحاول أن أعّبر عنه بدوري من خلال شعري، ولكن بطريقة غير مباشرة.
ما الذي يجعلك تتوجهين بشعرك للأطفال؟
ضحكت وقالت : أنا أحب أن أعيش عالم الأطفال.. ربما لأني، وهذا تحليلي الفوري والمباشر، لم أعش طفولتي كما ينبغي.. كانت هنالك بعض المعوقات التي جعلتني أعيش بسن أكبر مما يليق ببراءة الطفولة وعفويتها.. فهنالك حس استرجاعي في كل ما أكتبه للطفل.. الواقع أنني أحتال على الأمر، وأكتب لنفسي، وأقول أنني أكتب للطفل بشكل عام.. ثم إن الطفل في العالم العربي مظلوم بشكل عام، لأنه غالبا ما ينظر له على أنه كائن متخّلف، أو كائن غير قادر على أن يفكر.. وأنا أجد أن هذه نظرة قاصرة للأطفال، وخصوصا أطفال هذا العصر الذين تمتعوا بالكثير من الفرص التي تجعل منهم قادرين على الاستمتاع بالشعر مثلا.
وأضافت: أنا بشكل عام أحاول، ولا أقول إنني نجحت.. أحاول أن أكون طفلة قبل أن أكتب للأطفال.. ربما ساعدني وجودي في أسرة مليئة بالأطفال.. أسرة أخي التي تضم أطفال كثيرين.. وهذا يتيح لي أن أجرب عليهم كل ما أكتب، وهم نقادي الأوائل.. فعلا كنت أكتب، وأطلب منهم أن يقرأوا، فأي شيء يرفضونه بالسليقة والعفوية أشطبها فورا...
وتتابع: أذكر أنني كتبت مرة قصيدة فيها كلمة "اخضوضر"، فوجدت الأطفال لا يستسيغون هذه الكلمة، حتى أنهم يضحكون كلما تلفظوا بها.. فشطبتها واستبدلتها بكلمة أخرى ألطف، تقبلوها بسرعة أكبر.. فهم قرائي الأوائل، وهم نقادي الأوائل.. بل هم ربما يكونون نقادي الوحيدين.
هل مررت في حياتك بلحظات تمنيت فيها أن تكوني رجلا؟
قالت دون أي تردد : لا.. ولكن مررت بلحظات كثيرة تمنيت أن آخذ فيها حقوقا مساوية لحقوق الرجل.. لكن أن أكون رجلا، الواقع أني لم أتمنى ذلك، خاصة وأنني أعيش في أسرة ليس فيها نساء.. فلدي إخوة ذكور فقط.. بل على العكس كنت أعتز بأنوثتي، وأعتز بكوني امرأة.
هل تحبين توجيه رسالة للرجل بشكل عام؟
أجابت: الرجل هو للأسف مظلوم في مجتمعاتنا العربية، وهو مضطهد أيضا.. ولذلك غالبية هؤلاء الرجال يمارسون اضطهادهم ضد المرأة لكونهم مضطهدين.. وعندما يكون الرجل في مجتمعات تضطهد إنسانيته، يحاول أن يوجه هذا الاضطهاد نحو من هم أقل منه في الفرص بالحياة.. وبالتالي النساء.. خصوصا عندما يكن أمهات، يلعبن اللعبة ذاتها مع أطفالهن.. وهكذا الجميع في بلدان العالم الثالث يشعر بالاضطهاد ويضطهد بعضه البعض.
واضافت: وأستطيع القول إن الرجال الذين يلاحظون هذه الإشكالية في علاقتهم بالمرأة، ويحاولون أن يساهموا في حلها، هم الأكثر ثقة بأنفسهم، وهم الأكثر ثقة بالمرأة.. وبالتالي لا أقول للرجل سوى أن يعمل على تحقيق العدالة والاستقلالية لنفسه أولا كإنسان.
|