|
|
|
غلاف الرواية
|
باريس، فرنسا (CNN) -- كان لابد وأن يأتي يوم، لا محالة... لا بد وأن يأتي يوم، إنتظره طويلا كل الذين يعرفونها، يوم تسكب فيه خلجات روحها، في صورة رواية.. رواية تحمل في صفحاتها كل هذا المخزون الهائل من لوعة الحنين، وشفافية الحنان، وعشق الطرب، وحزن العيون المغرورقة بالضحك النابع من القلب... وأخيرا جاء هذا اليوم، وصدرت قبل فترة وجيزة في بيروت، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الرواية الأولى للكاتبة والصحفية العراقية المقيمة في باريس، إنعام كجه جي، وبالعنوان والمعبّر المؤثر "سواقي القلوب".
بمناسبة حفل توقيع الرواية الذي جرى في باريس، كان لـ CNN بالعربية هذا الحوار مع الكاتبة:
CNN : منذ متى و أنت تحملين هذا الكتاب في قلبك ؟
إنعام : لا أحمل في قلبي كتباً، بل أحتفظ، في أماكن دافئة منه، بشخصيات أعرفها أو أتمنى لو أرسمها. و قد عاشت بعض شخصيات هذه الرواية معي و شاركتني المخدة منذ أكثر من سنة، و لم أكن أعرف كيف سأُحررها و أتحرر، بدوري، منها. إن الكتابة الصحفية هي ما يخطر على بال الصحفي. لكن شغفي بالشخصيات قادني إلى وضعها في الإطار الذي تصورت أنه الأنسب لها، أي في رواية.
CNN : في أي لحظة فرض العنوان "سواقي القلوب" نفسه عليك ؟
إنعام: مرة أُخرى أقول إن الصحفية التي تسكنني تكتب وهي تفكر، منذ البداية، بالعنوان المناسب. و قد استولى على خاطري هذا العنوان المستل من مثل عراقي شعبي يدلّ على تقارب الخواطر و تلاقي القلوب في ما تهجس به.
CNN : ما نسبة الخيال و نسبة الواقع في تركيبة شخصيات الرواية ؟
إنعام : يبدو لي أن الكاتب لا يكتب من فراغ، ولا من الهام الخيال فحسب. و فيما يخصني، فقد تسليت كثيراً وأنا أستعير خيطاً من فلانة و خيطاً من فلان، ثم أروح أنسج الخيوط بما تراكم لديّ من حكايات ومشاهدات وتجارب، وصولاً إلى البساط النهائي الذي أفرشه للقارئ. ولا تنسي أن لقب جدّي الكبير، الكجه جي، يعني"ناسج البسط" من الخيوط المسماة بالكجه.
إن شخصية "كاشانية" مثلاً، في الرواية، لها جذر في الواقع، حيث سبق لي أن تعرفت على سيدة عراقية تزوجت من كونت فرنسي كان يعمل في بغداد وأصبحت تحمل لقب كونتيسة . لكن " كونتيستي " لها مذاق آخر، وهي أرمنية نجت من المذبحة و تربت في رعاية سيدة موصلية مسلمة، وجمعت في شخصيتها تاريخ جيل في طريقه إلى الانقراض.
أما "ساري" الذي جاء إلى باريس ليجري عملية تحوّل جنسي و يصبح اسمه "سارة"، فهو يأخذ بعض ملامحه من شاب جاء إلى فرنسا، بالفعل، في ثمانينات القرن الماضي، ليجري هذه العملية، بعد أن ذهب لمقابلة صدام حسين و حصل منه على أمر بعلاجه على نفقة الدولة . لكن "سارتي" التي في الرواية كائن آخر، وقد لعبت بها، مثلما لعبت هي بي، و أمضيت في صحبتها وقتاً ممتعاً.
وهناك شخصيات حقيقية رحلت عن دنيانا و أحببت أن أحييها في مسار الأحداث، بالعودة إلى مواقف كانت لأبطال الرواية معها، مثل الصديق المغربي الباهي محمد، وعالم السريانيات الفرنسي جان فييه الذي عاش ثلاثة عقود في العراق ثم جرى ترحيله منه في خلال أربع و عشرين ساعة.
CNN : هل صدَّرتِ هذه الرواية بإهداء ؟ و لمن ؟
إنعام: أهديتها الى صباح اسطيفان، وهو قريب عزيز، أما سبب إهدائي الرواية له فتلك قصة أخرى.
CNN : هل تعتبرين أن إنجاز هذه الرواية تأخر أم أنه جاء في أوانه، في ظل هذه المرحلة من تاريخ العراق ؟
إنعام : لقد أحببت الكتابة الصحفية، دائماً، واعتبرتها مهنتي وهوايتي، وكان لي فيها أسلوب يقترب من القصة القصيرة، رغم أنه يتعامل مع أحداث تقع على أرض الواقع. لذلك لا أعتبر أن الرواية جاءت متأخرة. وقد يكون الوضع الحالي في العراق وما أحسه من خوف عظيم على وطني، هما ما دفعني إلى كتابة نص يتغنى بالتعدد الثقافي والعرقي والديني الذي عرفته في بلدي و كنت من نتاجه.
CNN : بعد كل هذه السنين من التجربة في المهجر الباريسي، هل تعتقدين أن من هاجر مرّة، سيظل طيلة عمره مهاجراً بعد ذلك ؟
إنعام : هذا سؤال فلسفي، و أنا امرأة بسيطة، بمعنى إني لا أعقّد الأمور. وأرى أن تطور وسائل المواصلات والاتصالات لم تترك أحداً بمنأى عن العباد في بلاد الله الواسعة. لم يعد بيننا من يأمن إلى قوقعته، و لو في الماو ماو، لأنه ما عادت هناك قوقعة آمنة. كلّنا مهاجر و مقيم في آن.
CNN : هل كنت تدركين أنك تحملين كل هذه التفاصيل عن جذورك العراقية، قبل مغادرتك العراق؟
إنعام : جذوري العراقية كانت، وما زالت، سعفات نخلتي التي تظللني حيثما ذهبت. والسعف، كما تعلمين يخز أيضاً. و أنت قد تغادرين العراق لكن العراق لا يغادرك، و تعود التفاصيل الصغيرة لتتضخم وقد تأخذ، أحياناً، بعداً نوستالجياً غير طبيعي. و أنا أخشى أن يحدث لي ما حدث لصديقي الكاتب اليهودي سمير نقاش الذي عاش و مات في اسرائيل، و هو يكتب عن عراق ورديّ وعن بغداد الفاضلة التي لا تشوب ثوبها شائبة. لقد كتب بذاكرة طفل غادر مدينته في سن الثالثة عشرة و لم يعد إليها.
أما أنا فقد غادرتها امرأة متزوجة ولي ولد، ولا يروق لي أن أتعامى عن الواقع الذي تكرّس سنة بعد سنة، لأني بهذا أخون مهنتي كصحفية تشهد على ما ترى. ثم أين هي المدن التي لم تتغيّر؟ لكنني سأبقى أحب بغداد ولو غرقت في أدران أبنائها وغزاتها.
أظن أن كل واحد فينا يحمل جزءاً من وزرها . هل تعرفين اللعبة المزودة بثقّالة تجعلها تجلس معتدلة كيفما ألقيت بها ؟ إن العراق هو تلك الثقّالة التي فشلت في التحرر منها و التي تشدّني كي لا أنقلب، رغم توقي المتكرر و الملحّ إلى نزق الانقلاب و فوضى الجلوس العشوائي.
|