باريس، فرنسا (CNN)-- الأعلام كانت فرنسية في غالبيتها وترفرف بينها أعلام صغيرة أمريكية، بريطانية وحتى كندية... أما الموسيقى فأمريكية في غالبيتها (سوينغ، جاز، وروك أند رول) تتخللها أحيانا أصداء لآلة الأكورديون على الطريقة الفرنسية. هكذا احتفل الباريسيون الأربعاء بالذكرى الستين لتحرير مدينتهم، الملقبة بعاصمة النور، من الاحتلال النازي، في الخامس والعاشرين من أغسطس 1944. فتحت المطر الغزير، رقص الباريسيون حتى ساعة متأخرة من الليل، في الشوارع والساحات الرئيسية، كساحة الباستيل وحديقة اللوكسمبورغ وغيرها، بعد أن تابع الكثر منهم طيلة النهار، تنقلات موكب استعراضي مؤلف من رتل آليات حربية فرنسية وآخر لآليات حربية أمريكية كانت شاركت في اليوم التاريخي قبل ستة عقود. الموكب الاستعراضي الذي توقف في عدة نقاط أساسية من باريس، خلال النهار، وانتهى به المطاف في ساحة الباستيل مع حلول الليل، كان مجرد جزء بسيط من احتفالية شعبية كبرى أوكل عمدة باريس، برتراند دولانوييه، مهمة إعدادها وتنفيذها للمخرج المسرحي المعروف جيروم سافاري. وقد استعان المخرج سافاري بمئات الممثلين الثانويين، كلهم من المتطوعين، لإحياء أجواء اليوم الذي استرجعت فيه العاصمة الفرنسية حريتها، بمساعدة قوات الحلفاء، بعد أن رزحت خمسين شهرا تحت الاحتلال النازي. ففي ذلك اليوم عاد إليها الجنرال ديغول، وألقى في ساحة البلدية "الأوتيل دوفيل"، خطبته الشهيرة التي ردد فيها :"باريس المنتهكة، باريس المنكسرة، باريس المعذبة، لكنها باريس المحررة!" وقد تمت استعادة الخطبة في الساحة ذاتها بحضور الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي قام خلال الحفل بتقليد عدد من المحاربين القدماء أوسمة فخرية. هذا ويؤكد كثر على أهمية الاحتفال بهذه الذكرى، في العام الحالي بالتحديد، كتأكيد على الوفاء الفرنسي للدور الأمريكي آنذاك في إنقاذهم من القبضة النازية، بالإضافة إلى حقيقة تقلص أعداد الشهود الفعليين للحدث، إذ أن معظمهم تجاوز سن الثمانين. فقد عبر شهود العيان أمام كاميرات التلفزة عن فرط تأثرهم عند رؤية الموكب الذي كان المشاركون والمشاركات فيه يرتدون أزياء سنوات الأربعينات. أما الممثلون المتطوعون الذي كانوا يرتدون الزي العسكري لجنود الحلفاء فقد تلونت وجناتهم بعلامات أحمر شفاه، يفترض أن تكون طبعتها النساء الباريسيات على الوجوه عند تقبيلهم فرحا بعودة الرجال إلى البيوت، بعد طول غياب. وتزامن الاحتفال التاريخي مع عودة المغنية الفرنسية الشهيرة ميراي ماتيو إلى الأضواء بعد غياب طويل، إذ شاركت في الحفل الغنائي الذي أقيم بساحة الباستيل، مستعيدة أغنيتها الشهيرة "باريس، هل تحترق؟" المأخوذة عن فيلم سينمائي من عام 1966، يحمل العنوان ذاته، للمخرج رينيه كليمان، وتروي أحداثه وقائع تحرير العاصمة الفرنسية. ومن أطرف المفارقات في هذه الاحتفالية، أنها كانت متقنة في أدائها لإعادة إحياء ذكرى اليوم التاريخي بحيث كاد المشاهد أن يصدق أن الزمن قد عاد به ستين عاما إلى الوراء، لولا أن بعض المشاركين كانوا يتحدثون بالهواتف النقالة. وقد أصدرت بعض الصحف ملاحق خاصة عن الحدث، تحمل تاريخ 25 أغسطس1944، وتشير إلى أن التحرير تم تحت شمس محرقة ووطأة حر شديد. اما ذكرى" التحرير2004" فقد تمت في يوم يكاد يكون هاربا من فصل الشتاء، ببرده وأمطاره الغزيرة! |