بغداد، العراق (CNN) -- تتهم المحكمة الجنائية العراقية العليا، الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين وستة من معاونيه، بارتكاب جرائم إبادة جماعية ضد الأكراد في شمال العراق، في إطار حملة "الأنفال" العسكرية، التي قام بها الجيش العراقي بين العامين 1987 و1989، والتي يعتقد أنها أسفرت عن مقتل نحو مائة ألف شخص من الأكراد، بالإضافة إلى تدمير ما لا يقل عن ثلاثة آلاف قرية. يعرض هذا التقرير لبعض المعلومات الأساسية حول قضية الأنفال والمتهمين فيها، والاتهامات الموجهة اليهم، من خلال قراءة لما جاء في تقرير أصدرته منظمة حقوق الإنسان الدولية "هيومان رايتس ووتش" حول هذه القضية. ما هي الأنفال؟ الأنفال هي حملة عسكرية من ثماني مراحل، أسفرت عن القتل العمد لخمسين ألفا على الأقل، وربما مائة ألف من الأكراد. استخدمت القوات العراقية في حملة الأنفال ولمرات عديدة أسلحة كيماوية ضد الأكراد. واستمرت حملة الأنفال من أواخر فبراير/ شباط إلى أوائل سبتمبر/ أيلول 1988. وقع الاختيار على الضحايا الذين كان منهم نساء وأطفال وشيوخ، لأنهم كانوا أكراداً بقوا في مسقط رأسهم بأراض خارج نطاق المناطق التي تحكمها بغداد. أسفرت تحريات وتحقيقات منظمة هيومان رايتس ووتش لحقوق الإنسان في عامي 1992 و1993 عن تصنيف الأنفال كـ"جريمة إبادة جماعية" ضد جانب من السكان الأكراد العراقيين في شمالي البلاد. من هم المتهمون الذين يحاكمون في القضية؟ ستحاكم المحكمة العليا العراقية سبعة متهمين، من ضمنهم صدام حسين، كانوا يتولون مناصب رئيسية إبان حملة الأنفال. وهؤلاء المتهمين هم (بترتيب مناصبهم في ذلك الوقت): - صدام حسين، الرئيس العراقي. - علي حسن المجيد، أمين سر مكتب الشمال لحزب البعث العربي الاشتراكي، الذي كان مخولا صلاحيات خاصة يمارسها على شمالي العراق، تعادل صلاحيات الرئيس. - سلطان هاشم أحمد، القائد العسكري للحملة. - صابر عبد العزيز الدوري؛ رئيس الاستخبارات العسكرية. - حسين رشيد التكريتي، عضو القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية، والقائم بالعمليات. - طاهر توفيق العاني، محافظ الموصل. - فرحان مطلق الجبوري، مسؤول الاستخبارات العسكرية في شمالي العراق. وكل من صدام حسين وعلي حسن المجيد متهم بارتكاب إبادة جماعية. ما هي أهمية محاكمات الأنفال؟ خلافاً لمحاكمات الدجيل التي اختتمت منذ وقت قريب، والتي كانت تتعلق بعمليات قتل مروعة في قرية واحدة، ترقى قضية الأنفال إلى مستوى الجرائم الجماعية. ورغم تسميتها بالنزاع مع الميليشيات الكردية المعروفة باسم البشمركة، فالأنفال تضمنت عمليات إعدام جماعية واختفاء عشرات الآلاف من المواطنين الأكراد العاديين - رجال ونساء وأطفال. استخدمت القوات الحكومية أسلحة كيماوية، ودمرت حوالي ألفي قرية، واضطر مئات الآلاف من أهالي القرى إلى النزوح. وتشمل التهم الموجهة إلى صدام حسين الإبادة الجماعية، التي تعتبر أخطر الجرائم الدولية. ولإثبات المسؤولية الجنائية الفردية التي يتحملها صدام حسين، سيتطلب من ممثل الادعاء تقديم أدلة قوية على أنه (صدام حسين) قصد بالتحديد القضاء على المجني عليهم بسبب كونهم أكراداً. وحيث أنها جريمة جماعية، سيلزم تقديم أدلة من أماكن متعددة للجريمة. ومن شأن هذه العوامل أن تطرح تحدياً حقيقياً أمام المحكمة العليا العراقية، التي برهنت على "قصور فادح" في سير المحاكمات بقضية الدجيل، بحسب تقرير هيومان رايتس ووتش. ما هي الأفعال التي تشكّل جريمة إبادة جماعية؟ إن ارتكاب الأفعال التالية على نطاق واسع، مقترناً بقصد القضاء على الأكراد بالتحديد، كلياً أو جزئياً، بسبب انتمائهم العرقي، يشكل جريمة إبادة جماعية: - القتل وإلحاق ضرر بدني أو معنوي جسيم. - تعمد فرض ظروف معيشية محسوبة على أساس أن تؤدي إلى تصفيتهم جسدياً. - فرض تدابير تهدف إلى منع ولادة أطفال. - نقل الأطفال قسراً من مجتمعاتهم. ولإثبات وقوع إبادة جماعية، سيتعين على ممثل الادعاء أن يبرهن على ارتكاب بعض أو كل هذه الأفعال، وعلى أنها وقعت بقصد معين، وهدف يتمثل في القضاء على جانب من السكان الأكراد العراقيين. لإثبات أن الجريمة تندرج ضمن الإبادة الجماعية، يجب تحديد عدد القتلى. في عمليات الإبادة الجماعية السابقة - يستشهد التقرير بأمثلة منها المحرقة والإبادة الجماعية للأرمن والروانديين - إذ كان عدد عمليات القتل هائلاً، وهذا الحجم الكبير للقتل في حد ذاته أسهم في إقامة الدليل على أن القتل ارتكب بسبب المعتقدات الدينية للضحايا أو انتمائهم العرقي. ومع ذلك، ليس هناك حد عددي معين ينبغي تخطيه لاعتبار عمليات القتل الواسعة النطاق جريمة إبادة جماعية. فالإبادة الجماعية تشمل القضاء على "جزء" أو "كل" الجماعة المستهدفة. واستهدفت حملة الأنفال الأكراد العراقيين الذين يعيشون في المناطق الريفية الشمالية من البلاد، والتي اعتبرتها الحكومة "مناطق محظورة." هل كانت الأنفال عملية مناهضة لتمرد الأكراد؟ يقول تقرير هيومان رايتس ووتش إن الحكومة العراقية دأبت على الاعتداء على أكراد العراق منذ السبعينات، وكانت حملة الأنفال ذروة هذه الاعتداءات. وقد تحدثت بغداد مراراً عن الأكراد بوصفهم تهديداً للأمة، وحاولت الحكومة "تعريب" المناطق التي يقطنها الأكراد، وذلك بتشجيع المزارعين العرب المهاجرين على الانتقال إلى هناك. وأرادت الحكومة العراقية أن تفرض سيطرتها على هذه المنطقة، لأنها واقعة من الناحية الإستراتيجية بالقرب من الحدود الإيرانية. وبعد عام 1980، وبدء الحرب الإيرانية العراقية، التي استغرقت ثمانية أعوام، حصل الأكراد في الشمال على مزيد من السلطة على المنطقة، ووثقوا علاقاتهم بإيران. وبحلول عام 1986 عقد الأكراد اتفاقية سياسية وعسكرية رسمية مع طهران، وشعرت الحكومة العراقية بأن المنطقة ليست آمنة، فبدأت حملة الأنفال، وتعرض جميع الأكراد المقيمين في "المناطق المحظورة" للقمع الذي صاحب الحملة. ما هي الأدلة على أنها جرائم إبادة جماعية؟ يقول تقرير هيومان رايتس ووتش إن الحكومة العراقية استحدثت "المناطق المحظورة" المزعومة في العراق، مع أمر بإعدام كل من وجد مقيماً في هذه المناطق. وتتمثل حدود هذه المناطق المحظورة بشمال العراق، في تلك التي لا يقطنها تقريباً سوى الريفيين الأكراد. ويضيف تقرير المنظمة الدولية أن الادعاء بأن الذين قتلوا أو أزيحوا من "المناطق المحظورة" كانوا متمردين أو متعاطفين مع المتمردين، ليس جديراً بالتصديق، لأن صغار الأطفال كانوا من ضمن عشرات الآلاف من ضحايا حملة الأنفال. وعلاوة على ذلك، لم تستثن الحكومة العراقية أحداً بسبب الولاء السياسي، فقد تعرض أيضاً الأكراد الذين كانوا موالين للحكومة لتهديد الأسلحة الكيماوية، بحسب التقرير. وادعت الحكومة أن الأكراد ساندوا إيران في الحرب الإيرانية العراقية، ولكن حتى لو كان ذلك صحيحاً، فهو لا يبرر حجم القتل في المناطق المحظورة، وعلى الأخص، قتل النساء والأطفال والرجال الذين لم يشاركوا في أعمال الحرب. وخلص التقرير إلى أنهم قتلوا لكونهم من الأكراد. ما هي العقبات الأساسية التي قد تعرقل المحاكمة العادلة؟ راقبت هيومان رايتس ووتش محاكمات الدجيل، وعاينت عدداً من مواطن الضعف في كيفية عمل المحكمة العليا العراقية، وتتمثل مواطن الضعف التي رصدتها المنظمة فيما يلي: - افتقار شبه كامل إلى الدراية بالقانون الجنائي الدولي، من قبل جميع المحامين والقضاة العراقيين، الذين شاركوا في المحاكمات. - إدارة فوضوية وقاصرة، أدت إلى مشاكل كبيرة في أداء المهام الإدارية الأساسية اللازمة لسير محاكمات بهذا الحجم بنزاهة. - الاستعانة بشهود مجهولين على نطاق واسع، إلى حد أن المتهمين لم يمنحوا الحق في معارضة الأدلة ضدهم. وتضافرت مواطن الضعف هذه مع التدهور الحاد للأجواء الأمنية في العراق، ما أسفر عن مقتل ثلاثة من محاميي الدفاع، وإحجام عدد كبير من الشهود عن التقدم أمام المحكمة، وقيود خطيرة شلت قدرة الدفاع على تحقيق واختبار الأدلة التي جمعها الادعاء. ولإقامة العدالة، يجب أن تسير إجراءات المحاكمة بنزاهة. وبناء على مراقبة شاملة لسير المحاكمات الأولى أمام المحكمة العليا العراقية، تعتقد هيومان رايتس ووتش أن هذه المحكمة عاجزة حالياً عن إجراء محاكمة عادلة وفعالة لقضية تتعلق بجريمة الإبادة الجماعية، طبقاً للمعايير الدولية والقانون الجنائي الدولي الساري. ما هي وجهة نظر منظمات حقوق الإنسان في إعدام من تثبت إدانتهم؟ تعارض هيومان رايتس ووتش عقوبة الإعدام، حيث وأنه ومن منظور حقوق الإنسان، تشكل تلك العقوبة (الإعدام) جزاءً قاسياً ولا إنسانياً. وتشير المنظمة إلى أن القانون الدولي عالميا يتجه نحو إلغاء عقوبة الإعدام، قائلة إنه "مهما كانت بشاعة الجرائم المنسوبة إلى المتهمين، فإن عقوبة الإعدام غير مبررة." كيف قامت هيومان رايتس ووتش بتوثيق حملة الأنفال؟ في عام 1992 وبعد حرب الخليج، أرسلت هيومان رايتس ووتش فريقاً من الباحثين إلى شمالي العراق. قام الفريق على مدى عدة أشهر بتحريات وتحقيقات شاملة، وقابل أعضاء المنظمة حوالي 350 شخصاً ممن نجوا من حملة الأنفال، ومن شهود الحملة، وقاموا بتحليل للتربة في مناطق استخدمت فيها الأسلحة الكيماوية. ولأغراض الحفظ والتحليل، سلم لهيومان رايتس ووتش 18 طناً من الوثائق الأمنية العراقية، التي استولت عليها المليشيات الكردية حينما غادرت قوات الأمن الحكومية المنطقة. وعلى أساس البحث الميداني وتحليل الوثائق، خلصت هيومان رايتس ووتش إلى أن الأنفال تشكل جريمة إبادة جماعية. وفي عامي 1994 و1995، حاولت المنظمة إقناع عدة حكومات مهتمة بحقوق الإنسان، برفع دعوى على الحكومة العراقية، بموجب أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، أمام محكمة العدل الدولية. ولكن للأسف لم تثمر هذه المبادرة، حسبما خلص تقرير المنظمة. |