 | | رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات |
ولد عرفات، واسمه الأصلي محمد عبد الرؤوف القدوة الحسيني، لتاجر فلسطيني ناجح في القاهرة بمصر في 24 أغسطس/ آب 1929. وتوفيت والدته وهو في الرابعة من عمره، مما جعله ينتقل إلى العيش عند عمه في مدينة القدس، التي كانت تحت الانتداب البريطاني. وفي تلك السنوات شاهد عرفات المصادمات بين العرب واليهود، الذين كانوا قد جاءوا إلى المنطقة كمهاجرين بهدف إقامة وطن قومي لهم في فلسطين. درس عرفات في جامعة القاهرة، وتخرج فيها مهندساً مدنياً، وقد حرص خلال دراسته على توجيه قراءته نحو القصص النضالية وأصول الحركة الصهيونية وقياداتها، من أمثال ثيودور هيرتزل. غير أنه في عام 1946 قرر التحرك صوب النضال، فأصبح من الناشطين في العمل الوطني الفلسطيني، حيث كان يجمع السلاح في مصر ويهربه إلى العرب في فلسطين. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 1947، قررت الأمم المتحدة إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين بحلول 15 مايو/ أيار 1948، وتقسيمها إلى دولتين عربية ويهودية، واعتبار القدس مدينة دولية. وقد وافق اليهود على القرار، بينما عارضه الفلسطينيون والعرب، وهو ما أدى إلى اندلاع الحرب بينهم. وتقول التقارير إن عرفات شارك في حرب 1948 الأولى بين العرب وإسرائيل حينذاك. وفي عام 1950، التحق عرفات بالجيش المصري، حيث شارك في حرب السويس عام 1956. وعقب مغادرته الجيش المصري، عمل عرفات في تخصصه الجامعي مهندساً في الكويت، وخلال هذه الفترة أنشأ مع رفاقه الفلسطينيين وبعض العرب، حركة التحرير الوطني الفلسطيني، والتي عرفت اختصاراً باسم "فتح"، والتي شكلت، مع منظمات فلسطينية أخرى، منظمة التحرير الفلسطينية التي أنشئت عام 1964. ومع إنشاء "فتح" تفرغ عرفات بالكامل للإشراف عليها، لتدشن الحركة في عام 1965 أولى عملياتها العسكرية الهجومية ضد إسرائيل. غير أنه في عام 1967، استطاعت إسرائيل في حربها مع العرب أن تحقق انتصارات جديدة مكنتها في أسبوع واحد من شهر يونيو/ حزيران من أخذ مرتفعات الجولان من سوريا والضفة الغربية من الأردن، وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء من مصر.  | | عرفات بين أبناء شعبه |
وفي فبراير/شباط 1969، انتخبت المنظمات والفصائل الفلسطينية المنضوية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية عرفات رئيساً للمنظمة. وأعادت حركة فتح تمركزها في الأردن، ولكن تحت قيادة عرفات، حيث تمكنت المنظمة وفصائل فلسطينية مختلفة من تنفيذ سلسلة هجمات، بما فيها خطف طائرات مدنية في أوروبا والشرق الأوسط.
ورغم أن عرفات لم يتبن مسؤولية هذه الأعمال مطلقاً، فإنه لم يقم بإدانتها كذلك. وقد سببت هجمات منظمة التحرير تلك العديد من المشاكل للعاهل الأردني الراحل الملك حسين، الذي أجبر الفصائل الفلسطينية على مغادرة الأردن بعد أحداث دامية عام 1970. واستقرت المنظمة في لبنان بعد خروجها من الأردن، حيث استمرت في شن غاراتها على إسرائيل. وفي عام 1974 ألقى عرفات خطاباً - للمرة الأولى - أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تم منح المنظمة صفة "مراقب في الأمم المتحدة"، وبذلك كان عرفات أول ممثل لمنظمة غير حكومية يلقي خطاباً أمام الجمعية العامة. وبعد اجتياح الجيش الإسرائيلي بيروت عام 1982، ومحاصرته منظمة التحرير هناك لأكثر من 80 يوماً، خرج عرفات إلى تونس، حيث استأنف مع رفاقه العمل من هناك. وفي عام 1991، عقد مؤتمر مدريد للسلام بمشاركة سوريا ولبنان والأردن والمنظمة. وتواصلت المفاوضات الثنائية في واشنطن، ولكن في البداية اشترطت إسرائيل فرض "مظلة" تجمع ممثلين عن الوفد الأردني في جلسات المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية، وهو الأمر الذي أغضب الفلسطينيين. وفي عام 1993، وبالتحديد في 13 سبتمبر/ أيلول، تم توقيع اتفاقية إعلان المبادئ في حديقة البيت الأبيض بالعاصمة الأمريكية واشنطن، والذي عرف باسم "اتفاقية أوسلو" بين منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات، والحكومة الإسرائيلية بزعامة إسحاق رابين، حينذاك. وجاءت هذه الاتفاقية بعد فترة من المفاوضات السرية رعتها النرويج، واعترفت خلالها المنظمة بحق إسرائيل في الوجود، مقابل اعتراف الأخيرة بالمنظمة. واستطاع عرفات، بناء على اتفاقية أوسلو، الدخول لما سمي بأراضي السلطة الوطنية الفلسطينية أو أراضي الحكم الذاتي عام 1995، لأول مرة بعد عدة عقود، حيث بدأ من هناك مرحلة جديدة في العمل لتحقيق حلمه القديم .. إقامة دولة فلسطينية. تعرض الرئيس عرفات لضغوط من الإسرائيليين والأمريكيين وخاصة بعد مفاوضات كامب ديفيد التي عقدت في يوليو/تموز 2000 والتي رفض فيها أن يتنازل للوفد ألإسرائيلي برئاسة إيهود باراك عن الحقوق الفلسطينية في كثير من القضايا الجوهرية مثل القدس واللاجئين والأراضي. واتهم أيضاً أنه المحرض على الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي اندلعت في سبتمبر/أيلول 2000. اجتاحت القوات الإسرائيلية في 29 مارس/آذار 2002، بأمر من رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها آرئيل شارون، مقر الرئيس عرفات (مبنى المقاطعة) بمدينة رام الله. وخلال العزلة الإسرائيلية والإقليمية والدولية التي فرضت على عرفات تردت حالته الصحية، ما استدعى نقله بموافقة إسرائيل إلى المستشفى العسكري بباريس الذي وافته المنية فيه في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2004، ليدفن من ثم في باحة مقر المقاطعة. ومثلما كانت نشأة الرئيس الفلسطيني وحياته مليئة بالغموض اكتنفت وفاته أيضاً الشكوك، إذ يعتقد كثير من الفلسطينيين أن عرفات مات مسموماً. |