(CNN) -- لعلّ العلامة الأولى التي تفرزها نهائيات ألمانيا 2006، هو سطوة المال مع إعلان المنظمين أنّ الأرباح ستتجاوز حاجز المليار و200 مليون دولار. ففي فرنسا مثلا، بلغ عدد المشتركين في الشركة التي اقتنت الحقوق للهواتف النقالة 2.5 مليون مشترك، أي بزيادة مليون. أما موقع البحث الإلكتروني "ياهو" فقد سجّل دخول ستة مليارات من الأشخاص لموقعه الخاص بمجريات كأس العالم. وعلى جبهة ثانية، حقّق بيع حقوق البث التلفزيوني أرقاما قياسية، حيث زادت مبالغ بيعها بنحو الثلث، مقارنة بنهائيات كوريا الجنوبية واليابان قبل أربع سنوات. ويقول الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، إنّ المونديال القادم، الذي ستحتضنه جنوب أفريقيا بعد أربع سنوات، وهي المرة الأولى في أفريقيا، سيشهد رقما قياسيا جديدا من حيث حقوق النقل التلفزيوني. وأعلن رئيس الفيفا "سيب بلاتر" أنّ بيع حقوق جنوب أفريقيا 2010 للمنطقة الأوروبية وحدها جلب للفيفا أكثر من 1.2 مليار دولار، أي ضعف ثمن حقوق نهائيات 2006. أما حقوق الرعاية والإعلان، فقد ضخّت في خزينة الفيفا نحو 600 مليون دولار من قبل الرعاة الـ15، مثل أديداس وكوكاكولا وماكدونالدز وطيران الإمارات. كذلك دفع الرعاة المحليون نحو 70 مليون دولار للفيفا. كما أنّ مداخيل المباريات والضيافة حققت، قبل أن تبدأ المباريات، رقما "مخيفا"، حيث تضاعفت مقارنة بالبطولة قبل الماضية، أي بزيادة 220 مليون دولار. ولعلّ هذه الأرقام، هي التي تدفع المحللين "المنصفين" إلى القول بأنّ الأغنياء سرقوا لعبة الفقراء. ولذلك فإنّ من الدعوات "الخجولة" التي يبدو تداولها ضربا من الخيال، تشدّد على ضرورة حلّ من اثنين: - إمّا أن يتمّ تأسيس اتحاد مواز للاتحاد الدولي لكرة القدم، يتألف من الدول الغاضبة من سياسة الفيفا المالية الحالية. ويمكن تصوّر كأس عالمية تضمّ دول الفقراء، باستثناء البرازيل والأرجنتين، حتى يمكن لها أن يتمتّع أبناؤها بلعبتهم. وربّما يجد من يذهب هذا المذهب في كون الفيفا ليس علامة تجارية أولا، وثانيا بالنظر لغرابة وضعها القانوني حيث أنّها، وعلى خلاف بقية "المنظمات الدولية"، لا تُمارس عليها أي نوع من أنواع الرقابة، حيث أنها ليست تابعة للأمم المتحدة، ولا لغيرها من الهيئات الاعتبارية الدولية، رغم أنّها تمارس "عقوبات تنال في كثير من الأحيان" من سيادة الدول الأعضاء. - أما الحلّ الثاني، فربّما يتمثّل في البدء بأن يكون للجنة الأولمبية الدولية دور في تنظيم النهائيات، بحيث يكون لها نوع من السلطة "القضائية" عليها، وهو ما يبدو بدوره "طوباويا" إلى درجة كبيرة. ولذلك، فإنّ الحل العقلاني هو أن تتغيّر "بنية صناعة" كرة القدم في مختلف الدول، من خلال المزيد من تطبيق نظم الاحتراف، مع محاولة إيجاد بدائل تحدّ من اعتبار كرة القدم "سلعة عادية"، فضلا عن ضرب خطط الاحتار والفساد. التحكيم: كانت نهائيات ألمانيا 2006 هي من دون شكّ الأسوأ من حيث التحكيم، ولعلّ ما فعله الحكم الإنجليزي غراهام بول، الذي أشهر ثلاث بطاقات صفر في وجه نفس اللاعب، وفي نفس المباراة، يلخّص ما يعتبره النقاد "عودة إلى نقطة الصفر" في مجال التحكيم. ودفعت عدّة منتخبات ضريبة تلك "الأخطاء" ..ولعلّ من أبرزها منتخبات أستراليا وكوريا الجنوبية وساحل العاج وغانا وتونس. بل إنّ منتخب فرنسا، الذي لعب النهائي، عانى بدوره من أخطاء كان ارتكابها بمثابة "حمق غريب." ولعلّ "تلك الحماقات" دفعت بالكثيرين إلى الحديث عن "نظريات المؤامرة".. بل إنّ هناك من أتهم رئيس الفيفا بلاتر، صراحة، بأنّه من يتولى "ترتيب" النتائج لتستفيد منها "ولية نعمته" البرازيل، ومنتخب بلاده سويسرا، والمنتخب المضيف ألمانيا، ليس محبة في رئيس لجنة تنظيمها فرانتز بيكنباور، وإنّما لكي تستمرّ عجلة المال في الدوران. ورغم أنّ بلاتر نفسه، تراجع عن مواقفه السابقة، من خلال إعلانه انفتاحه على أساليب جديدة مثل استخدام الفيديو والاستعانة بحكم ثان، إلا أنّه في حكم المؤكّد أنّ المشكلة، في ظاهرها على الأقلّ، تبدو هيكلية. فقطاع التحكيم في العالم، يعاني من مشكل انعدام الاحتراف، في حين أنّ أغلب من يشكلون أطراف اللعبة هم محترفون. فغالبية حكام كرة القدم، باستثناء الإيطاليين منهم، وربّما آخرين من جنسيات محدودة أخرى، هم من الهواة الذين يؤدون أعمالا وظيفية أخرى ودخلوا إلى الميدان "حبّا رومانسيا" فيه. ورغم أنّ الحكّام يتقاضون مبالغ محترمة، حيث أنّ كلّ حكم يتولى إدارة مباراة واحدة في النهائيات يتقاضى مبلغا لا يقلّ عن 40 ألف دولار، إلا أنّ ذلك غير كاف، مقارنة بالأموال التي باتت تتدفق على الفيفا من حيث تدري ولا تدري. وربّما يدفع الحصول على مبالغ عالية جدا نظير إدارة المباريات، الحكام إلى الخوف على مصائرهم واعتبار التحكيم مهنة مجزية. ومن دون شكّ قد يستتبع ذلك، اهتمام أكثر بتدريب الحكام وتكوينهم لا أن يبقوا مجرّد أشخاص "يعشقون كرة القدم، وأعيتهم ظروف الحياة" فاختاروا التحكيك لفرض توازن على المبالغ التي يصرفونها في حياتهم الاجتماعية. على أنّ ذلك قد لا يحلّ المشكل تماما، لاسيما إذا صحّت نظرية المؤامرة. وربّما سيكون من الصعب جدا تصوّر يوم لا يتحكّم فيه الفيفا بمصائر الحكام عبر مختلف أصقاع الأرض. إلا أنّ الأساس القانوني يبدو هشّا تماما هذه المرة لدى الفيفا. إذ ليس من المعقول أن يدير مباريات كرة القدم، ينظمها طرف ما، لنفس هذا الطرف. فالمبدأ هو أن يتمّ تأسيس رابطة دولية محترفة منفصلة تماما عن الاتحاد الدولي لكرة القدم تمام،ا مثل المعمول به في أغلب الدوريات المحترفة في أوروبا، بحيث يتولى هذا الهيكل، الذي ربّما يتمتّع بعضوية مراقب في الاتحاد الدولي، مهام إدارة شؤون التحكيم بطريقة محترفة ومنصفة. |