 | | زحمة جيوش في رقعة صغيرة، جندي من الفيلق الأجنبي الفرنسي يمر أمام طابور من عناصر الجيش اللبناني |
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- انسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان بشكل شبه تام قبل نحو أسبوع، بعد أكثر من 40 يوم على وقف العمليات العسكرية، معلناً اختتام مرحلة وبداية مرحلة جديدة على المستويين السياسي والعسكري مما يطرح مجموعة من التساؤلات التي لن تحسم إجاباتها إلا تطورات الأيام المقبلة. ولا يمكن إلا ملاحظة الاختلاف الكبير بين انسحاب عام 2000 من الجنوب اللبناني وانسحاب عام 2006، فمع إقفال أخر جندي إسرائيلي لبوابة "طربيخا" خلفه، فتحت في الداخل اللبناني المنقسم على نفسه أبواب أسئلة لا تنتهي. ولم ينس الإسرائيليون أن يتركوا خلفهم "مسامير جحا" جديدة على امتداد الحدود اللبنانية، لتضاف إلى قضية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، قضية قرية الغجر ومئات الدونمات المقتطعة من الأراضي اللبنانية. وكانت الترتيبات الأمنية الخاصة بتلك القرية تشمل تقاسم النفوذ فيها، حيث تسيطر إسرائيل على ثلثيها بينما يسيطر الجانب اللبناني على الثلث الباقي، غير أن تلك البقعة أصبحت خاصرة رخوة لحدود إسرائيل الشمالية ومقصد للتسلل الدائم، مما استدعى ضمها بالكامل. وتطرح القرية بوضعيتها الحالية مسائل شائكة في القانون الدولي فأهلها سوريون علويون يحملون الجنسية الإسرائيلية، وقد أقاموا مساكنهم على أراضي لبنانية. وفيما ستستكمل القوات الدولية طوال الفترة المقبلة تعزيز وجودها وانتشارها، تتصاعد أصوات في الداخل اللبناني تحذر من "دور ما" لهذه القوات، مثيرة أسئلة حول نقاط الانتشار لقوات الأمم المتحدة التي تشارك في الوقت عينه في الناتو كفرنسا وإيطاليا والتي حددت في معاقل حزب الله كبنت جبيل والخيام. وستؤازر القوات الدولية الموجودة على البر، سفن حربية وقوات بحرية وطائرات، ستبقى على أهبة الاستعداد لمساندتها عند الحاجة، فيما يبدو أن دولا مشاركة في هذه القوات باتت تستشعر النفور الحاصل بين اليونيفل الجديد وحزب الله. إذ بينما كانت إسرائيل تشكو في السابق مما تعتبره تغاضي من جانب اليونيفل القديم عن تصرفات عناصر حزب الله ووجودها على الحدود مباشرة، بدأت الهوة تتسع بين اليونيفل الجديد وحزب الله مع تغيير طبيعة تركيبة القوات الدولية، حيث أصبحت الغلبة للأوروبيين، كما تغيرت المهمة من المراقبة إلى الردع. توتر بين حزب الله واليونيفيل وظهرت بوادر التوتر بين الطرفين على الصعيد الكلامي على الأقل عندما أعرب أكثر من قيادي في حزب الله عن رفض الحزب لمهمة القوات الدولية على المعابر الحدودية مع سوريا أو في الموانئ والمطارات. كما صدر أكثر من تصريح من قياديين في حزب الله يحذر من تدويل الأمن في لبنان، رافضاً مهام اليونيفل الموسعة بدعوى مسها بالسيادة اللبنانية على حد قولهم. وقد اكتست هذه التصريحات بعداً جديدا مع خطاب أمين عام حزب الله حسن نصر الله، الذي وجه تحذيرا إلى قوات اليونيفل من مغبة التجسس على حزب الله، وضمان أمن إسرائيل فقط دون لبنان، مشيراً إلى أن جهات ما تسعى إلى الإيقاع بين مقاتلي الحزب وقوات اليونيفل. تصريحات أمين عام حزب الله هذه بالإضافة إلى ما قاله عن عجز هذه القوات عن وقف تدفق السلاح إلى حزبه، والتصريح بامتلاك الحزب لنحو 20 ألف صاروخ وعودة مقاتليه إلى الحدود رغم وجود القوات الدولية استرعت ردا من جهات أوروبية بارزة. وزارة الدفاع الألمانية، وعلى لسان المتحدث باسمها توماس رابيه، اعتبرت تصريحات نصر الله بمثابة "تهديدات" وأنها جاءت لتؤكد حق ألمانيا في منح قواتها البحرية تفويضا قويا وحاسما لتنفيذ المهام المكلفة بها في مراقبة السواحل اللبنانية ومنع تهريب السلاح. وقال وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي من جهته إن "الحل الوحيد للتصدي لحزب الله هو مساعدة حكومة فؤاد السنيورة على إعادة إعمار البلاد"، داعيا إلى عقد مؤتمر دولي واسع قبل نهاية السنة لإعادة الإعمار على المدى البعيد ." وتبدو عملية ترجمة القرار 1701 إلى خطوات عملية على الأرض محكاً صعباً لجميع الأطراف، خاصة مع بيان قوات اليونيفل الجديد الذي يعتبر أن من ضمن مهامه التصدي بالقوة لأي مظاهر عسكرية في منطقة عملها، الأمر الذي استدعى رداً عنيفاً من قيادة حزب الله. الوضع الأمني وانتشار الجيش وعموماً، لا يزال الوضع الأمني متوتراً في الجنوب اللبناني، في المرحلة الانتقالية التي تعيشها تلك المنطقة حالياً، ورغم الانسحاب الإسرائيلي فإن مسألة مزارع شبعا ستبقى عنوان المرحلة المقبلة لتبرير استمرار السلاح بيد المقاومة. بينما يؤكد وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس باستمرار أن طلعات طائرات سلاح جوه فوق لبنان ستستمر، طالما لم يتم تسليم الجنديان المخطوفان أو وقف تهريب السلاح من سوريا. الجيش اللبناني من جهته ينهي نشر 15 ألف جندي من عديدة في مناطق جنوب نهر الليطاني وهي مناطق لم يدخلها منذ عام 1969، عندما وقع لبنان مع منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق القاهرة الذي سمح فيه للفلسطينيين بقتال إسرائيل انطلاقاً من تلك المنطقة. وكان الجيش اللبناني قد تلقى من الأمين العام لحزب الله ترحيبا بوجوده في المنطقة وعلى الحدود، مشترطاً وجود قرار سياسي لديه للرد على الخروق الإسرائيلية، لا أن يصبح الجيش مجرد عداد للخروق، محذراً في الوقت نفسه من نفاذ صبر حزب الله. هذه الملاحظات الحادة استدعت رد وزير الدفاع اللبناني الياس المر، الذي كشف سعي الجيش إلى التزود بالصواريخ وأنظمة الدفاع المضادة للطائرات والمدرعات، وأوضح أن القرار السياسي بالتصدي للخرق الإسرائيلي في حال حصوله وبكل الإمكانيات هو أمر " محسوم". وقد ترافق انتشار الجيش مع احتفال حضرة قائد الجيش ميشال سليمان في تله اللبونة على الحدود مباشرة حيث ألقى كلمة لفتت المراقبين لخلوها من أي ذكر للمقاومة، وقد حض فيها سليمان جنوده على التصدي للعدو، كما للفلتان والإرهاب والتعصب، مشدداً على حماية الديمقراطية اللبنانية. ويلفت المراقبون النظر إلى هشاشة الوضع الأمني على الحدود حيث تتواجد أربع قوى في الوقت عينه، هي اليونيفل والجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي وحزب الله، في منطقة عمليات واحدة مع إمكانية الصدام في كل لحظة بين أي من هذه القوى. وما يزيد الوضع تعقيداً أن القرار الدولي الذي يرعى المرحلة هو قرار وقف العمليات العسكرية، بينما ينتظر الجميع التقرير المرتقب للامين العام للأمم المتحدة كوفي أنان حول تطبيق القرار 1701، الذي سيكون المنطلق لإقرار وقف إطلاق النار. الأسد ولبنان.. مرة أخرى أما في المقلب الشمالي من الحدود فلا تزال أصداء خطب وتصريحات الرئيس السوري بشار الأسد تتردد في الأوساط اللبنانية والدولية خاصة حديثه إلى صحيفة ديرشبيغل الألمانية والبايس الأسبانية حيث وصف مهمة القوات الدولية المتعلقة بوقف تدفق الأسلحة إلى حزب الله بأنها "مهمة مستحيلة". الرئيس الأسد الذي نفى أن تكون سوريا قد أقدمت على تسليح حزب الله، نصح الأوروبيين بعدم إضاعة الوقت في موضوع سلاح الحزب الذي على حد قول الرئيس السوري يملك من الأسلحة أكثر مما هو ضروري. ولفت الرئيس السوري في المقابلة عينها إلى انه لا يشاطر نظيره الإيراني محمود احمدي نجاد الرغبة في إزالة إسرائيل عن الوجود، مبدياً في إشارة لافته لناحية التوقيت استعداده لعقد سلام مع إسرائيل وتطبيع علاقات بلاده مع الولايات المتحدة. الأسد الذي نصح الدول المشاركة في اليونيفل بالتزام الحياد كضمانة لسلامة أبنائها قال، أنه عزز تواجد جنوده على الحدود مع لبنان لمراقبتها عبر سحب قوات من الحدود العراقية. وأضاف الأسد ساخراً أنه ينتظر القرار 1800 الذي يدعوه لإعادة جنوده إلى الحدود العراقية. التفجير الداخلي اللبناني، خطر المرحلة المقبلة وتتخوف مراجع لبنانية عديدة من تطورات الملف المذهبي اللبناني الداخلي بموازاة التوتر على الحدود، إذ يحذر النائب وليد جنبلاط من أن هناك جهات تسلح مجموعات سنية مناهضة لسياسة الحريري لأغراض أمنية، وأن شاحنات تنقل أسلحة تعبر يومياً إلى لبنان من سوريا على حد قوله. كما تثار مخاوف من دور مرتقب للقاعدة في لبنان بناء على معطيات، منها القبض على عدد من الناشطين في هذا التنظيم بعد قيامهم بعمليات تفجير محدودة لمراكز أمنية، أو أثناء التحضير لهجمات كمجموعة عاصم حمود التي كانت تخطط لتفجير نفق هولندا في نيويورك. كما كانت السلطات اللبنانية قد سلمت مؤخراً أكثر من متهم كان على أراضيها إلى برلين حيث كانوا يخططون لتفجيرات في شبكة القطارات الألمانية. يذكر أن أيمن الظواهري كان قد توعد بنقل نشاط القاعدة إلى مناطق قريبة من إسرائيل للقتال ضدها، معرباً عن رفضه للقرار 1701 المذل كما قال في ما قد يكون تحضيراً لعمليات تقوم بها القاعدة في لبنان تحت ستار قتال إسرائيل. وإن كان الظواهري لم يصرّح بموقف القاعدة من حزب الله، إلا أن الزرقاوي القائد السابق للتنظيم في العراق كان قد اتهم، قبل القضاء عليه، الحزب بالتحول إلى حرس حدود لإسرائيل مؤكداً أنه يحول دون قتال المجاهدين السنة لها. وسيكون الصدام حتمياً بين عناصر القاعدة وحزب الله فيما إذا حاولوا التسلل إلى المنطقة الجنوبية التي يسيطر عليها الحزب أمنياً وشعبياً ولا يمكن التكهن بنتائج هذا الصدام فيما إذا وقع على الواقع الشعبي اللبناني. ولا بد من الأخذ بعين الاعتبار أيضا وجود تنظيمات أصولية سنية متعددة ومتشعبة في المخيمات الفلسطينية التي تعيش ظروف مأساوية في لبنان تشكل بيئة خصبة لهذه المجموعات، وهي مناطق عصية حتى الآن على الدولة. وحذرت تقارير من قيام هذه التنظيمات كجند الشام وعصبة الأنصار وغيرها بإشعال مواجهات مع تيار المستقبل التابع للنائب الحريري على خلفية موقف التيار من حزب لله خاصة في مدينة صيدا. ويشكل تنظيم جند الشام لغزاً محيراً للمراقبين، فالسلطات السورية تتهمه بالوقوف خلف العمليات الإرهابية التي شهدتها دمشق مؤخراً، بينما أصدر التنظيم منذ فترة بياناً في مخيم عين الحلوة حذر فيه قوى 14 آذار من التهجم على سوريا، متوعداً قادتها بالرد والعقاب. كما يخشى البعض من انتقال الصراع الفلسطيني-الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس إلى المخيمات الفلسطينية في لبنان حيث للتنظيمين وحلفائهما وجود قوي ومسلح. وكان التوتر المذهبي قد انفجر ليل السبت/الأحد الماضيين في بيروت على شكل مواجهات وتضارب وإطلاق نار بين مجموعات سنية وشيعية في شوارع العاصمة مما تطلب تدخل قوات كبيرة من الجيش لفرض النظام. ويرشح المراقبون ازدياد الصدام في الشارع مع مطالبة حزب الله وميشال عون بإسقاط الحكومة وتهديدهم لها بالشارع، مما سيستدعي بشكل مباشر عصبية سنية مقبلة تتصلب حول الحكومة لتدافع عنها في الشارع أيضاً. وقد تكون محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت المقدم سمير شحادة نائب رئيس فرع المعلومات في الشرطة اللبنانية، مقدمة لمرحلة جديدة قد تشهد تطورات في الشارع وعلى صعيد الأمن، خاصة وان المستهدف كان مسؤولا عن ملفي القاعدة والتحقيق باغتيال الحريري. رايس و براميرتس والمتابعة الدولية وجاءت تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، التي أدلت بها إلى "نيويورك تايمز" ملفته للمراقبين، حيث طرحت على الداخل اللبناني الملتهب أصلاً إشكاليات إضافية وتهماً متبادلة جديدة تضاف إلى ما يعتمل في هذه الساحة. رايس قالت في مقابلتها إنها تتوقع اغتيالات جديدة في الساحة اللبنانية تطال رموز قوى 14 مارس/آذار، تترافق مع توترات أمنية متهمة حزب الله بتنفيذ أوامر سوريه وإيرانية، مطالبة المجتمع الدولي بدعم قوى الاعتدال في المنطقة في لبنان والعراق وفلسطين بوجه التطرف المدعوم إيرانياً. أما المحقق الدولي البلجيكي سيرج براميرتس فقدم في 25 مارس/آذار تقريره حول جريمة اغتيال الرئيس الحريري الذي أتى إجرائياً، لكنه دعا فيه إلى الإسراع بإنشاء المحكمة الدولية، الأمر الذي فسره البعض بأن تقرير المحقق المقبل سيكون الأخير وسيتم فيها كشف كل تفاصيل الجريمة وأسماء المجرمين. وكان لافتاً ما أورده براميرتس في تقريره الأخير لجهة ترابط الجرائم الإرهابية التي حصلت على مدى السنتين الماضيتين في لبنان أفقياً وعمودياً مما يؤكد وجود جهات حسنة التدريب والتمويل والتجهيز خلفه. إزاء كل هذه التطورات تبدو الساحة اللبنانية مقبلة على حالة من التوتر الشديد حيث يلعب الفرقاء بصندوق باندورا، الذي إذا فتح ستخرج منه في الوقت عينه كل شياطين الملف اللبناني ولربما نرى القبعات الزرقاء في أماكن عديدة من بيروت خارج المرفأ والمطار. |