بغداد، العراق (CNN) -- تواصلت الثلاثاء جلسات المحكمة الجنائية العراقية المختصة التي تحاكم الرئيس العراقي المخلوع، صدام حسين، وستة من المسؤولين السابقين بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فضلاً عن جرائم إبادة في قضية الأنفال. واستمعت جلسة الاثنين إلى إفادات ثلاثة شهود عيان أكراد تحدثوا فيها عن معاناتهم خلال الحملة العسكرية التي استهدفت مناطق الأكراد تحت مسمى "الأنفال" ويزعم أن ضحاياها ربما بلغ مائة ألف كردي. والأنفال هي حملة عسكرية من ثمان مراحل استخدمت خلالها القوات العراقية أسلحة كيماوية واستمرت من أواخر فبراير/شباط إلى أوائل سبتمبر/أيلول 1988. تفاصيل الجلسة الرابعة عشرة: بناء على طلب الإدعاء العام طلبت المحكمة في مستهل الجلسة مفاتحة وزارة الصحة بغية تشكيل لجنة تتكون من ثلاثة خبراء في الأسلحة الكيمائية وأن تكون المخاطبة عن طريق مكتب وزير الصحة حصراً لمعاينة إصابات الشهود. أبدت شاهدة الإثبات الأولى خلال الجلسة عدم ممانعتها في تقديم شهادتها علانية أمام الكاميرا دون الكشف عن أسمها... إلا أنها بدأت في تقديم شهادتها خلف ستار. الشاهدة: أنا من أهالي قرية "كور مور" التابعة لناحية "قادر كرم" في الشهر الرابع من العام 1988. بدأت الشاهدة في الإدلاء بشهادتها التي تخللها مقاطعة من صدام. الشاهدة: لا أتذكر اليوم تحديداً إلا أنه الشهر الرابع من العام 1988 عندما بدأ القصف على قريتنا ليلاً مما اضطرنا إلى الهرب إلى سفوح الجبال.. بقينا في الجبال ليلتين حيث داهمتنا قوات من الجيش من ثلاثة محاور: "كركوك" و"قادر كرم" و"شمشمان" وحملونا في سيارات من نوع "زيل" وأخذوا زوجي وبعض أهالي القرية في اتجاه معاكس وكانت هذه آخر مرة أشاهد فيها زوجي. - قاموا بتسليمنا إلى جيش "بارق" ثم نقلونا إلى معسكر "خالد" ومكثنا في السيارات هناك من الصباح وحتى المساء قبل أن تنطلق بنا إلى معسكر "طوب زاوة".. وعندما وصلنا هناك اعتقدنا أنه يوم الحشر ومكثنا شباباً ونساءً ورجالاً معاً.. لم يزودونا بالطعام في تلك الليلة، وفي اليوم التالي أعطونا صمونة واحدة ولم يعطوا الأطفال أي طعام.. واستدركت قائلة كانوا يرمون لنا بالصمون.. بقينا تلك الليلة معاً. - وفي اليوم التالي فصلوا المسنين وأرسلوهم إلى معسكر "نقرة السلمان".. وفي اليوم الثاني شاهدت اثنين من أشقاء زوجي في معسكر "طوب زاوه".. سألني شقيق زوجي عن أولاده وعن شقيقه (زوجي).. لم أعرف بأن هناك جندياً خلفي بادر بضربي بأخمص البندقية والزج بي في داخل القاعة. - وكان ينادوننا نحن النساء ويجبرونا عنوة على البصم على أوراق على بياض واتهمونا بأننا عوائل مخربين وعملاء لإيران... ثم نقلنا إلى معسكر "دبس" حيث رأينا حشوداً هائلة من الناس وهناك أخذت في صحبتي طفلين للعناية بهما طيلة فترة اعتقالي التي بلغت ستة أشهر ونصف... نسبة لسوء الأوضاع اضطرت الأمهات إلى ترك اطفالهن خلفهن.. في المعسكر، كان الظلام دامساً، وعند وصولنا زج بخمس أو ست عوائل في قاعة واحدة، وطلبوا منا الحضور لاستلام الطعام ولم يكن في حوزتنا ما نحمله به.. استخدمنا صناديق العتاد الفارغة ومعجون الطماطم كأوان.. عندما كنا نحفظ الطعام في تلك العلب.. نزود بحساء قليل بين يوم وآخر.. وفي أحدى الأيام عصراً حضرت مجموعة كانت ترتدي بذلات كاملة وأقنعة وقفازات قاموا برش مادة بالقاعة انتشر على إثره القمل في القاعة.. كما انتشرت الأمراض بين أطفالنا من بينها السعال الديكي وتوفي عدداً منهم. - كانت معي إحدى قريباتي وقد أنجبت طفلها في المعتقل.. أخذناها إلى المرافق الصحية ووضعنا تحتها مجموعة من أوراق الأشجار لتضع عليه طفلها.. وبسبب عدم تواجد أي ملابس أضافية قمنا بتغطية الوليد بقطعة من "الجلفاص" التي التصقت بجسده لاحقاً وقطع الحبل السري بقطعة زجاج مكسورة.. وهكذا استمرت بنا الحياة مدة ستة أشهر ونصف... - في إحدى الأيام جلبت أربعة حافلات وقاموا بنقل مجموعة منا إلى "تكريت".. وبعد يومين أخبرنا جنود بالمعسكر بصدور قرار بالعفو عنا.. أخذنا إلى منطقة "عربت".. رجعنا إلى مجمع "شمشمال" وعلمت هناك أن جميع أفراد عائلتي اختفوا "أنفلوا".. سأقدم لائحة بأسماء عائلتي لا أريد ذكرها على الملا.. وأغلقت اللاقطات الصوتية بالقاعة. وتابعت الشاهدة: فقدت أحد أشقائي خلال الحرب العراقية-الإيرانية، إلا أن ذلك لم يمنع السلطات من اخذ شقيقي الآخر.. عندما رجعنا إلى مجمع "شمشمان" .. لم يتبق لي شيء أو أحد من أفراد عائلتي.. عند عودتنا إلى قريتنا "رانا" وجدنا أنها أعلنت مناطق محرمة.. وهي مناطق أباءنا وأجدادنا... وأسكنوا عوائل من تكريت والحويجة في قريتنا حيث نزحنا إلى مناطق عربية للعمل.. في فترة الانتفاضة قام الجيش بزرع قرانا بالألغام.. أريد أن أتحدث سراً.. أرجو إغلاق اللاقطات الصوتية. وبعد ذلك طالبت الشاهدة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بها وإعادة رفات الضحايا إلى كردستان وجميع عوائل "المأنفلين" معتبرة أنه حق شرعي. وبعد ذلك بدأ وكلاء مدعي الحق الشخصي باستجواب الشاهدة: ذكرت المشتكية أن إحدى المعتقلات وضعت مولوداً في السجن.. هل قدمت سلطات السجن أي خدمات طبية لها وللمولود؟ الشاهدة: لم تتواجد أي خدمات طبية أو أدوية.. لا لم تقدم لها أي خدمات طبية. وكيل آخر: ماعدا الحراس والجنود هل تواجد رجال في معسكر "دبس"؟ الشاهدة - لا كانت معتقلات نساء فقط. وكيل مدعي الحق الشخصي: هل حصلت حالات حمل أو إجهاض قسري في المعتقل؟ الشاهدة: لا لم أشاهد أي من هذه الحالات. وكيل مدعي بالحق الشخصي: ليلة العفو قام الحراس بإحضار جهاز تلفزيون لتستمع المعتقلات إلى قرار العفو.. هل تصادق على ما قالته معتقلة أخرى.؟ القاضي: السؤال غير منتج!! الشاهدة: لم أعد إلى قريتي بعد إطلاق سراحي، قريتنا كانت من المناطق المحرمة.. وعندما رجعت مؤخراً وجدت أنها أحرقت وهدمت، ووجدت بعض الناس الذين قامت السلطة في ذلك الوقت بإسكانهم في المنطقة. وكيلة مدعي بالحق الشخصي: ما هي أسباب اعتقال الشاهدة مع أفراد عائلتها؟ الشاهد: لأننا أكراد. وكيلة الحق الشخصي: ما هي قوميات الفتيات اللواتي كان يأخذهن الضابط ليلاً؟ الشاهدة: كن كرديات.. جميع المعتقلات كرديات.. لماذا تنتقدون كلامي لم أذكر سوى الحقائق.. القاضي: من الذي أنتقدها؟ ثم بدأ محامي الدفاع المنتدب باستجواب الشاهدة: من هي الجهة التي قامت باعتقالها وثلاثة من أشقاء زوجها؟ الشاهدة: اعتقل أشقاء زوجي بصورة منفصلة ورأيتهم في المعتقل.. القاضي: من الذي اعتقلها؟ الشاهدة: عناصر من الجيش وكان بصحبتهم رجال من الأكراد. محامي الدفاع المنتدب: خلال إفادتها أمام قاضي التحقيق الصفحة 1413 قالت "اعتقلنا أفواج الدفاع المدني أنا وأشقاء زوجي" المسؤولين في معتقل "طوب زاوه" هل كانوا يتحدثون العربية أو الكردية؟ الشاهدة: القائمون على سجن "دبس" و"طوب زاوه" جميعاً من العرب. محامي الدفاع المنتدب: هل في مقدور الشاهدة تقدير عدد المعتقلين في "دبس"؟ الشاهدة: أنا امرأة غير متعلمة ولا أستطيع أن أعد أو أحصي لكن عددهم هائل يفوق الألف معتقل. محامي الدفاع المنتدب: هل بإمكان المشتكية أن تقدم لهيئة المحكمة وصفاً لمعتقل "دبس"؟ الشاهدة: ليس هناك ما يستحق الذكر كانت هناك ثلاث قاعات مفتوحة على بعضها.. ولكن القاعات كانت متسخة وتشابه قن الدواجن.. وبها مخلفات عتاد حربي قديم. محامي الدفاع المنتدب: أشارت الشاهدة إلى تواجد قرابة 500 معتقل في قاعتها في حين قالت إن عدد المعتقلين يبلغ عددهم ألف. محامي المتهم علي حسن المجيد: ورد بأقوال الشاهدة أنه عام 1988 قامت القوات العسكرية العراقية وبتوجيه من القيادة المسلحة برئاسة صدام حسين وعدداً من القادة العسكريين، كيف حصلت على هذه المعلومات الدقيقة وهي تدعي أنها امرأة أمية ومهنتها ربة بيت؟ الشاهدة: لم أذكر ذلك. القاضي: هذا مثبت في أقوالها لدى قاضي التحقيق. الشاهدة: لم أذكر ذلك ولم يكن لدي أي معلومات إلى أن داهمتنا قوات تدعى "جيش بارق". القاضي: بلى.. ذكرت ذلك خلال إفادتك أمام قاضي التحقيق. الشاهدة: لا أعرف ما هي قيادة القوات ولم أذكر ذلك حيث أنني لا أعرف هذه الأشياء.. محامي علي حسن المجيد: من الذي لقنها هذا الكلام؟ القاضي: أنت محامي أرجو أن تصيغ سؤالك مجدداً. محامي الدفاع: هناك تناقضاً في أقوال الشاهدة أمام قاضي التحقيق وهيئة المحكمة. القاضي: أطلب منك مرة أخرى أن تعيد صياغة السؤال مجدداً؟ محام الدفاع: ورد بأقوالها أن عام 1988 قامت القوات العسكرية وبتوجيه من القيادة العامة المسلحة وعلى رأسها صدام حسين.. وأمام المحكمة أنكرت ذلك.. هل لها توضيح ذلك؟ المترجمة: قالت الشاهدة إنها لن تجيب عن أي سؤال آخر. الشاهدة: أنا لا أعرف اللغة العربية ربما كتبت بالخطأ.. القاضي: أيهما أصح؟ الشاهدة: الكلام الصحيح هو ما ذكرته أمام المحكمة الآن.. ربما حدث التباس عند ترجمة أقوالي... أنا لن أجيب عن المزيد من الأسئلة. القاضي: الشاهدة تحت القسم وإذا كان لديها معلومات يجب أن تدلي بها.. هي غير ملزمة بالإدلاء بما تجهله. صابر الدوري: في الإفادة مثبت أنها ربة بيت.. ما هو تحصيلها الدراسي.. هل تقرأ وتكتب؟ الشاهدة: لا أعرف القراءة ولا الكتابة.. لماذا يسألونني هذا السؤال. صابر الدوري: قالت المشتكية أمام قاضي التحقيق إن مفارز من الدفاع الوطني التي يقودها.... (أنقطع التسجيل الصوتي).. أين تقع منطقة جباري؟ هل تعرف أي تقع منطقة جباري؟.. وكم تبعد عن قريتها؟ القاضي: نعم أعرف تلك المنطقة تقع باتجاه "كركوك" و"ليلان".. أنها بعيدة عن قريتنا ساعة واحدة بالسيارة. صابر الدوري: مستشارا فوجا الدفاع الوطني (انقطع التسجيل) هل سبق وأن اشتكت عليهما طالما هي تعرفهما بالاسم؟ القاضي: متى تعني؟ صابر الدوري: قبل الاحتلال الأمريكي للعراق. وتم قطع الصوت مجدداً.. الشاهدة: هؤلاء لم يكونا من منطقتنا بل عملاء... القاضي: هل سبق وان تقدمت بشكوى ضدهما؟ الشاهدة: لم أتقدم بأي شكوى في ذلك الوقت صابر الدوري: لماذا؟ الشاهدة: لم أقدم شكوى من قبل وأنا أتقدم بشكوى الآن على الجميع دون تفريق بين عربي أو كردي صابر الدوري: من عام 1991 إلى الغزو كانت هناك حكومتان في منطقة الحكم الذاتي حكومة في السليمانية وحكومة في منطقة أربيل وهناك مؤسسات دولة وقضاء؟ لماذا لم تتقدم بشكوى.. أليس ذلك دلالة على أنها سانحة؟ على أنها وعدت بالتعويض؟ خاصة إذا سمعنا التناقض بين إفادتها أمام قاضي التحقيق وهيئة المحكمة... أشكك في جميع الإفادة.. يبدو أنها أمليت عليها. رئيس هيئة الإدعاء.. الجريمة المنظورة ليست شخصية.. وإنما قدمت لإثبات جريمة إبادة جماعية.. وجريمة ضد الإنسانية.. فهذه الشكوى لإثبات واقعة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية. محامي عن الشاهدة: موكلتي المشتكية لم تذكر أن عدد المتواجدين ألفا فقط بل أكثر من ألف. علي حسن المجيد: صدر قرار حكومي بترحيل السكان قبيل شهرين من العملية.. لماذا رفضت السكن في المجمعات السكنية وبالأخص مجمع "شمشمان".. هل ذلك برغبتها أم رغبة آخرين. الشاهدة: نعم رفضنا الانتقال هناك لأن تلك أراضي أجدادنا وهناك مواشينا.. نحن فلاحون.. وتلك المجمعات كانت خالية وخاوية. علي حسن المجيد: هل تستطيع الشاهدة تقدير مسافة الرحلة بالسيارات بين معسكر "خالد" و"طوب زاوه"؟ الشاهدة: نصف ساعة.. أو أقل.. علي حسن المجيد: كم استغرقت الرحلة.. وقاطعه المدعي العام: ما جدوى هذا السؤال علي حسن المجيد: لأن الشاكية لا تعرف.. والأجوبة أمليت عليها. القاضي: ليس من حقك جرح الشاكية. علي حسن المجيد: لكن المدعي العام لا يتيح لنا فرصة الحديث. وبدأ سلطان هاشم في إلقاء أسئلة على الشاهدة قبيل أن يدخل في جدال مع قاضي المحكمة. وتدخل صدام حسين في الحديث عندما أغلق القاضي اللاقطات الصوتية مجدداً. وبدا القاضي في المحكمة وهو يشير بيديه فيما يبدو كطرد رابع لصدام من قاعة المحكمة. وبعد عملية الطرد، أسدلت الستائر بحيث لم يعد بإمكان الصحفيين رؤية ما يدور في المحكمة، وبخاصة أن القاضي أغلق كافة اللواقط، وتم منع الصحفيين من متابعة الجلسة، التي أعلنها القاضي جلسة مغلقة. |