دبي، الامارات العربية (CNN) -- أبدى ضياء الدين بلال، رئيس القسم السياسي في صحيفة الرأي العام السودانية، تشاؤمه من إمكانية التوصل إلى حلول لأزمة دارفور ضمن السياق العام الذي تجري خلاله المفاوضات حالياً لأنها تقوم برأيه على أسس خاطئة لا تستجيب لرغبات شعب دارفور الحقيقية. وقال بلال لموقع CNN بالعربية إن الاطراف الدارفورية تخوض المفاوضات دون أن تكون المطالب القبلية التي تشكل أساس النزاع نصب أعينها، كما أن الحكومة السودانية تخوضها كورقة للمساومة على مصيرها. أما عن حقيقة الأسباب التي تقف خلف تعثر تطبيق اتفاقية أبوجا بين الحكومة السودانية وحركة تحرير السودان، بقيادة مني أركو مناوي، فقد أوضح بلال أن السبب يعود إلى بناء الاتفاقية على أساس خاطئ حيث أنها عقدت مع الأقوى عسكرياً على الأرض دون الانتباه إلى كون هذا المعطى قابلاً للتغيير. بلال قال: "مني أركو مناوي كان الأقوى في الميدان عسكريا وهذا كان صحيحاً في تلك الفترة، ولكن بروز جبهة الخلاص (تضم الفصائل المعارضة لأبوجا) وتشكيلها خطر كبير على الحكومة هدد القيمة الفعلية لاتفاقية أبوجا باعتبار أن جبهة الخلاص أصبحت اليوم أقوى بكثير من تنظيم مناوي. وأضاف بلال أن الأمور انقلبت بعد الاتفاقية، حيث أصبحت الحكومة مرتبطة باتفاقية مع الطرف الأضعف على الأرض، بسبب تراجع قوة مناوي بعد توقيعه على الاتفاقية وأصبحت جبهة الخلاص هي الطرف الممسك حقيقة بالوضع في دارفور. وحول ما يقال عن ضغوط دفعت مناوي إلى عقد الاتفاقية مع الحكومة، رغم عدم اقتناعه بها، قال رئيس القسم السياسي في الرأي العام: "صحيح أنه كان هناك ضغط هائل مارسه روبرت زوليك، مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق، لكن الأطراف الدارفورية، كانت بدورها تتسابق للانفراد بالتوقيع. أما عن سبب معاودة مناوي، رفع الصوت، تجاه التأخر بتطبيق الاتفاقية، فقد عزاه بلال، إلى تراجع التأييد الشعبي في دارفور لمناوي وتنظيمه، مدللاً على صحة هذا الأمر، بالإجراءات الأمنية الاستثنائية التي رافقت جولته الأخيرة إلى الإقليم. وأوضح بلال قائلاً: "رافق زيارة مناوي إلى إقليم دارفور، احتياطات وتدابير أمنية مشددة، رغم أن الإقليم، يفترض أن يكون ’مجاله الحيوي‘ حيث يقع ثقل وقوة حركته، فوجود هذه التدابير، تعني خوفه من وجود معارضة كبيرة له، قد تقوم بعمل عسكري أو سياسي ضده." وعن حقيقة وساطة إريتريا، ودورها بين جبهة الخلاص والحكومة السودانية، قال بلال: "إريتريا لديها مجموعة من الأزمات والمشاكل الحدودية والسياسية مع الحكومة السودانية، لذلك فهي تحاول تسوية هذه الملفات عن طريق المقايضة، بدفع الحركات المسلحة المعارضة للحكومة، إلى إجراء تسوية معها." وأردف قائلاً: "في الحقيقة هناك مساعي لترتيب قرن أفريقي جديد، تتزامن مع مساعي بناء الشرق الأوسط الجديد، فالمنطقتين تتشابهان كثيرا،ً لناحية وجود بؤر نزاعات وثروات طبيعية، واختراق غربي كبير." وتابع بلال: "علينا أن نفهم ونقدر حقيقة حجم الثروات في المنطقة، سواء في دارفور أو جنوب السودان أو أثيوبيا ونيجيريا أو منطقة الغرب الأفريقي." وعن حقيقة الموقف الدولي، بعد طرد موفد الأمين العام للأمم المتحدة، يان برونك، وما يتردد عن تغيير اللهجة الدولية تجاه الخرطوم، رد بلال، واصفاً الموقف الدولي الحالي إزاء السودان "بالمرتبك". وعزا بلال السبب إلى وقوع الأمم المتحدة بين نارين، حيث أنها تتجنب الضغط بقوة على الحكومة السودانية في موضوع دارفور، سواء سياسياً، أو عبر التلويح بعقوبات اقتصادية، مخافة تراجع تلك الأخيرة عن واجباتها في اتفاقية نيفاشا مع الجنوب، والتي عملت عليها الأمم المتحدة لفترة طويلة وبجهد استثناني. وأكمل بلال قائلاً: "ومن جهة أخرى، تخشى الأمم المتحدة في حال تراخيها مع الخرطوم أن تشجع بطريقة غير مباشرة دولاً أخرى مثل إيران وكوريا الشمالية، على التعنت السياسي، وهنا تكمن أزمة المجتمع الدولي، الذي لا يريد إطفاء حريق دارفور، وبالمقابل، إشعال حرائق في أمكنة أخرى من السودان والمنطقة." أما حول الموقف الرسمي للحكومة السودانية وسط أمواج المتغيرات التي تتلاطم حولها فقد قال بلال: "الحكومة السودانية في وضع صعب، يدفعها إلى الاحتماء بشكل متواصل خلف فرضية الفوضى، وهي تشيع، أن السودان مقبل على التحول إلى مركز للفوضى، في حال سقوط الحكومة المركزية فيه." وحذر بلال من مخاطر هذه السياسة، التي تقوم على إخافة 9 دول أفريقية، من إمكانية امتداد الفوضى إليها، إذا انهارت حكومة الخرطوم المركزية، منبهاً مروجي فكرة "الفوضى السياسية المنظمة القابلة للسيطرة" في الإدارة السودانية، إلى استحالة التحكم بالفوضى بعد انطلاقها. وعن السيناريوهات المحتملة، محلياً ودولياً، إزاء مسألة دارفور، توقع رئيس القسم السياسي في صحيفة "الرأي العام" أن نشهد مجموعة من التطورات المحتملة، أولها أن يقوم المجتمع الدولي بممارسة ما يسمى دبلوماسيا "بالضغط المحسوب" على الحكومة السودانية، لدفعها إلى تسوية كامل الملفات العالقة. ولفت إلى إمكانية أن "يدفع المجتمع الدولي، إلى تبلور تيار داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم، يحمل برنامجاً يتناسب مع الرؤى الدولية، على حساب التيارات المتشددة والمتصلبة داخل هذا النظام، بحيث يتم ترتيب ضغط على الحكومة يحدث تغيراً داخلياً، يعدل في السياسة السودانية، ويضمن في الوقت عينه بقاء الدولة المركزية." وأوضح أن الخطر "يكمن في ممارسة حكومة السودان والمجتمع الدولي، للعبة شديدة الخطورة، حيث تحتمي الحكومة بورقة التوت المسماة الفوضى، لخوض تسويات وهي على حافة الهاوية، بينما يقوم المجتمع الدولي من جهته، بعقد تلك التسويات على مذبح الحكومة، لكي يتم حصارها والتضييق عليها وإسقاطها." أما بشأن التغيرات المطلوبة على اتفاقية أبوجا، لتصبح مقبولة من كل الأطراف، فقال بلال: "يجب الانتباه إلى أن أهم ميزة لمكونات النزاع في دارفور هي كونها مكونات محلية بسيطة أكثر من كونها مكونات سياسية بخطط وبرامج عمل." وأضاف "هناك مشاكل إثنية، ومشاكل تخلف، ونقص تنمية، وصراع على الموارد، ولتتم التسوية وتنجح، يجب أن تبدأ من القاعدة إلى الرأس، وليس العكس." كما دعا بلال إلى إعادة درس توزيع الثروة على أساس أن يطال التوزيع جميع الفئات لا أن يحصر بحلقات وأطر بعيدة عن حقيقة مكونات المجتمع الدارفوري القبلية الحقيقية، وأضاف: "يجب أن يكون واضحاً، أن القبائل هي وقود الصراع، وهي التي بيدها الحل الحقيقي." وتابع موضحاً: "يجب أن يتم الاتفاق مع القبائل كمكون قاعدي، لا أن يتم البحث عن فئة ما ليتم الاتفاق معها، ثم يتبين أنها لا تمتلك القدرة لكي تنفذ، وكل اتفاقية، لا تأخذ برأي المكونات القبلية والأساسية للمجتمع الدارفوري، هي اتفاقيات فوقية، لا تأثيرات لها على أرض الواقع." ولفت إلى وجود شكوك لديه حول نية الحكومة السودانية، الدخول بمفاوضات جدية مع جبهة الخلاص، مستطرداً أن الشرط الأساسي لحصول سلام في الإقليم، هو عقد اتفاق مع جبهة الخلاص، لا يأتي على حساب مناوي وحركته. وحذر أن يجر رفض مناوي للاتفاق الجديد، في حال حصوله على حسابه، الإقليم مجدداً إلى دوامة عنف، لأن أي اتفاق لطرف دون أخر، سيولد حركة جديدة معارضة قوية، ويضعف الحركات التي وافقت على الاتفاق، وختم قائلاً: "الصورة في دارفور معقدة بأقصى ما يمكن توقعه ومن الصعوبة حسابها نظرياً." |