|
الانتخابات العراقية بين الانتماء والبرنامج السياسي
تجرى الانتخابات العامة لاختيار مؤسسات حكم دائمة في العراق في منتصف ديسمبر/ كانون الاول، وهي ثالث اقتراع، منذ الاطاحة بنظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وذلك بعد انتخاب الجمعية الوطنية التي انبثقت عنها حكومة انتقالية، وبعد التصويت على الدستور الدائم. وفي استعدادها للانتخابات المقبلة تطرح قوائم وقوى متنافسة برامج انتخابية، تسعى من خلالها الى تجاوز الاستقطابات الحادة التي شكلت سمة الانتخابات السابقة، إذ لم يكن التصويت للبرنامج السياسي بقدر ما كان لدوافع الانتماء الديني أو الطائفي أو القومي بسبب الظرف الخاص الذي مر به العراق. فبعد انهيار النظام السابق جرى فرز واضح للمجتمع على أسس الدين والطائفة والعرق والقبيلة، واختلط النشاط السياسي بهذه التصنيفات الى درجة أن التمايز بينها أصبح عسيرا. ويبدو أن ضبابية الخارطة السياسية في العراق لم تساعد على رسم ملامح القوى والأحزاب أو التعرف على برامجها، مع قلة ما هو موجود من تلك البرامج أصلا، ناهيك عن ظهور عشرات التنظيمات الى الوجود في بلد كان لا يسمح فيه للنشاط السياسي سوى للحزب الحاكم. ويرى سعد عبد الرزاق حسين، القيادي في تجمع الديمقراطيين المستقلين، أن ملامح حالة الاستقطاب الطائفي والإثني في ذلك الاقتراع "بدأت تتشكل خلال فترة حكم النظام السابق، لكنها تعمقت بشكل أكبر بعد احتلال العراق والظروف التي رافقت بناء النظام الجديد". اصطفافات وقد أعادت التحالفات والقوى السياسية ترتيب نفسها لخوض انتخابات منتصف ديسمبر، لكن السمة التي ظلت ملازمة لجزء مهم منها هي الاصطفاف على أساس الدين أو الطائفة أو العرق أو العشيرة، فهناك قوائم رئيسية وأخرى أصغر انتظمت على هذا الاساس، مع الإشارة الى وجود بعض الاستثناءات التي لم تعتمد الانتماء الديني أو العرقي أو القبلي معيارا. ويسجل، في مرحلة الإعداد لانتخاب حكومة دائمة، أن الجماعات التي توصف بأنها سنية قررت خوض هذه الانتخابات بأكثر من قائمة، كما هو الحال بالنسبة للاصطفاف الشيعي الذي مثلته قائمة رئيسية هي قائمة الإئتلاف العراقي الموحد، إضافة الى قوائم صغيرة أخرى الى جانبها. وتأتي مشاركة القوى السنية في هذه الانتخابات بعد أن قاطعت سابقتها مبعدة نفسها عن التأثير الفعال في القرار السياسي، مما أحدث خللا في توازن الجمعية العامة الانتقالية. ويرى كريم الموسوي، المسؤول في المجلس الأعلى للثورة الاسلامية العضو الرئيسي في التحالف الشيعي الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية ويطمح الى الحفاظ على موقعه القوي في البرلمان أو على الأقل تشكيل كتلة قوية داخله، أن ما ستسفر عنه الانتخابات المقبلة "سيكون مختلفا عما أفرزته سابقتها من حيث مفردات الخارطة السياسية". وقال الموسوي لـ بي بي سي العربية إن المرحلة القادمة هي "الانتقال الى مرحلة بناء بلد متوازن في قيمه وقدراته وأمنه وأداراته وتنظيمه، ومتوازن مذهبيا وقوميا واجتماعيا، وكذلك في علاقاته الإقليمية والدولية". لكنه يؤكد أن الاصطفافات والتحالفات بين المكونات والأحزاب قد "تغيرت الآن". حتى التحالف الكردستاني، الذي ظل متماسكا الى حد ما، طرأ عليه تغيير في مرحلة التمهيد للانتخابات المقبلة فقد انسحبت منه جماعة إسلامية فضلت خوض الانتخابات منفردة. ويقول برهان الجاف، القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني أحد أكبر شريكين في التحالف إلى جانب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس جلال طالباني، إن هذا التحالف "شهد تغييرا شأنه شأن بقية القوائم الانتخابية". ويشير الجاف في تصريح لـ بي بي سي العربية إلى "خروج الأحزاب الإسلامية وكذلك بعض الأحزاب الصغيرة"، لكنه يقول إن هذا التحالف لا يزال يمثل "شرائح من مكونات المجتمع الكردستاني" من بينها إضافة الى الأحزاب القومية الكردية "ممثلون عن التركمان والكلدو أشوريين إضافة أحزاب اشتراكية وشيوعية". دروس مستخلصة من الأمور التي تميز المشاركة في اقتراع ديسمبر هي ان القوى التي خاضت الانتخابات السابقة أو تلك التي لم تشارك فيها استخلصت دروسا وعبرا تقول إنها تسعى إلى توظيفها في التجربة الانتخابية لاختيار برلمان دائم. وفي هذا الصدد يقول مفيد الجزائري، القيادي في الحزب الشيوعي العراقي أحد الشركاء الرئيسيين في التحالف العلماني الذي يحمل اسم القائمة العراقية الوطنية إلى جانب حركة الوفاق الوطني بزعامة رئيس الوزراء السابق أياد علاوي، إن "النتائج المتواضعة التي حققها الحزب والتيار الديمقراطي عموما تعود إلى تشتت قوى هذا التيار وكثرة أطرافه وعدم وحدتها، الأمر الذي أضعفه وقوى الآخرين على حسابه". ولذلك، كما يوضح الجزائري، وهو وزير ثقافة سابق في الحكومة المؤقته، "تكثف السعي لتشكيل تحالف انتخابي واسع للقوى الليبرالية". ويتوقع الجزائري العضو في الجمعية الوطنية عن قائمة اتحاد الشعب التي فازت بمقعدين في اقتراع ديسمبر أن تكون الانتخابات المقبلة "معركة حامية، فالائتلاف الحاكم سيستميت للحفاظ على تفوقه وموقفه الحاسم في البرلمان" بينما ستسعى القوائم الأخرى "للحيلولة دون ذلك بانتزاع أقصى ما تستطيع من المقاعد". العامل الديني والوعي السياسي لا شك أن للعامل الديني والطائفي خاصة تأثيرا هاما على الناخب والممارسة الانتخابية عموما وبالتالي على اتجاه العملية السياسية في البلاد. ولا بد من الاشارة إلى أن العامل المحدد لهوية انتماء الفرد العراقي يتباين من مرحلة إلى أخرى، خاصة في مجتمع متغير ومتبدل عبر التاريخ. وقد تتداخل فيه أحيانا مجموعة انتماءات في آن واحد وضمن إطار واحد.
وبحكم الظروف التي مر بها العراق خلال العقود الماضية والتركيبة السكانية المعقدة اختلط العامل الديني والقبلي بالسياسي. لكن حميد الكفائي رئيس قائمة حركة المجتمع الديمقراطي التي تخوض الانتخابات متحالفة في بغداد ومنفردة في محافظات أخرى، يرى أن "السياسة العراقية بدأت تسير في الاتجاه الصحيح" مشيرا إلى أن الاصطفافات "أخذت تعتمد أساس الاتجاه السياسي أي الإسلامي أو الليبرالي أو العلماني أو القومي". ويستدرك قائلا لـ بي بي سي العربية إن بعض القوى لا تزال "تستغل الدين لتحقيق مكاسب سياسية" وبهدف "تحقيق الفوز دون أن تتورع في التجاوز على القانون واللوائح والمراجع الدينية". ويشير إلى أن الانتخابات المقبلة "ستكون مختلفة لأن الناخب العراقي أصبحت له تجربة وهو الآن قادر على التمييز، وهو ينشد برامج سياسية اقتصادية يمكن تطبيقها على ارض الواقع ". لكن محمد حسن الموسوي وهو متحدث باسم المؤتمر الوطني بزعامة أحمد الجلبي، والذي كان منضويا في إطار قائمة الإئتلاف العراقي الشيعية وخرج منها ليخوض الانتخابات المقبلة بقائمة مستقلة، إن الناخب "أصبحت لديه حرية أكبر في الاختيار بعد إعلان المرجعية الشيعية عدم تبنيها لقائمة معينة". برلمان متوازن تكاد القوى والأحزاب العراقية كافة تجمع على رغبتها في أن يضم البرلمان المقبل الأطياف التي غابت عنه، بما يناسب حجمها بدافع أن ذلك يجنب العملية السياسية الجارية في البلاد حالة اللاتوازن ويحد من المصاعب التي رافقتها. ويرى سعد عبد الرزاق حسين (تجمع المستقلين الديمقراطيين) أ ن "اشتراك ما يسمى بممثلي السنة في الانتخابات سيوفر نتائج أكثر توازنا قياسا بالانتخابات السابقة". ويعرب عن اعتقاده بأن "يشارك السنة العرب بشكل أوسع مما حصل في المرة السابقة". كما يعرب برهان الجاف (الحزب الديمقراطي الكردستاني) عن اعتقادة بأن "النتائج المتوقعة ستكون مختلفة" خصوصا أن "الكتلة السنية ستشارك بزخم كبير". ويقول كريم الموسوي (المجلس الإسلامي الأعلى) إن البرامج السياسية للقوائم الانتخابية "سيكون لها دور في تعزيز حضورها القادم". ويعتقد أن الانتخابات المقبلة "قد تفرز بعض التيارات الجديدة على الساحة السياسية العراقية وقد تساهم في اختفاء البعض الاخر". ويؤكد محمد حسن الموسوي (المؤتمر الوطني) هذا الرأي بالقول إن البرلمان القادم "سيكون أكثر توازنا وشمولية" حيث سيكون فيه "تمثيل عادل لجميع مكونات الشعب العراقي". حصة الأقليات ربما لم تحظ الأقليات بالتمثيل الذي كانت تطمح إليه في انتخابات الجمعية المؤقتة إلا أن القوى الممثلة لها تعرب عن أملها في أن تحقق الانتخابات المقبلة بعض ذلك الطموح. ويرى عمانوئيل يعقوب، المسؤول في الحركة الديمقراطية الآشورية، أن إجراء الانتخابات المقبلة "على أساس الدوائر الانتخابية، أي دائرة انتخابية لكل محافظة، وكذلك تخصيص مقعد للأقليات والقوى الصغيرة من شأنه أن يعزز الأمل" بتمثيل أفضل. ويؤكد عباس الإمامي، المسؤول في الاتحاد الإسلامي لتركمان العراق، في تصريح لـ بي بي سي أن الاتحاد سيبقى ضمن قائمة الائتلاف الشيعية التي حصل ضمنها على تمثيل للتركمان إضافة إلى القوى التركمانية الأخرى التي تخوض الانتخابات بقوائم أخرى. ما بعد الانتخابات قد تتعدد الرؤى وتختلف، وقد تتنوع البرامج التي طرحتها القوى المتنافسه للتأثير على الناخبين الذين لا يزال معظمهم تحت سطوة عامل الانتماء، إلا أن القاسم المشترك هو أن الجميع يريد له موقع قدم، مهما كان حجمه، في البرلمان المقبل ليساهم في صياغة أو إعادة صياغة قوانين وسياسات تسيير شؤون البلاد والمجتمع. ومن الواضح أنه لا توجد قوة قادرة، بمفردها، على قيادة دفة الحكم في البلاد مهما كان حجم التحالف الانتخابي الذي تعقده. ومن هنا لا تبدو تحالفات ما قبل الانتخابات هي نهاية المطاف بل سيشهد البرلمان المقبل، بعد انتخابه، نشاطا واسعا لإيجاد صيغ من التكتل بين القوائم والقوى التي تتمكن من دخوله.
|
|
جميع المعلومات الواردة في هذا الموقع هي عبارة عن أخبار تم تجميعها من مواقع إخبارية مختلفة و محطات تلفزيونية و جرائد عربية و دولية و يهدف هذا الموقع ليكون ذاكرة الأحداث التي وقعت في تاريخ ما أو وقت ما يمكن لأي شخص المساهمة في هذا الموقع و اغنائه عبر المشاركة من خلال البريد الالكتروني news@newsarchiver.com الراعي الرسمي لهذا الشهر موقع أغاني |